التحويل فصلاته غير ضائعة «١» . عن ابن عباس رضى اللَّه عنه: لما وجه رسول اللَّه ﵌ إلى الكعبة «٢» قالوا: كيف بمن مات قبل التحويل من إخواننا فنزلت. لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ لا يضيع أجورهم ولا يترك ما يصلحهم. ويحكى عن الحجاج أنه قال للحسن: ما رأيك في أبى تراب، فقرأ قوله: (إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) ثم قال: وعلىٌّ منهم، وهو ابن عم رسول اللَّه ﷺ وختنه على ابنته، وأقرب الناس إليه، وأحبهم. وقرئ: إلا ليعلم على البناء للمفعول. ومعنى العلم: المعرفة. ويجوز أن يكون «من» متضمنة لمعنى الاستفهام معلقا عنها العلم، كقولك: علمت أزيد في الدار أم عمرو. وقرأ ابن أبى إسحاق (على عقبيه) بسكون القاف. وقرأ اليزيدي (لكبيرة) بالرفع. ووجهها أن تكون «كان» مزيدة، كما في قوله:
وَجِيرَانٍ لَنَا كانُوا كِرَامِ «٣»
والأصل: وإن هي لكبيرة، كقولك: إن زيد لمنطلق ثم، وإن كانت لكبيرة وقرئ: ليضيع بالتشديد
تَقَلُّبَ وَجْهِكَ تردّد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء. وكان رسول اللَّه ﷺ يتوقع من ربه أن يحوّله إلى الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وأدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولمخالفة اليهود فكان يراعى نزول جبريل ﵇ والوحى بالتحويل فَلَنُوَلِّيَنَّكَ فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها، من قولك: وليته كذا. إذا جعلته والياً له، أو فلنجعلنك تلى سمتها دون سمت بيت المقدس تَرْضاها تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة اللَّه وحكمته شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ نحوه. قال:
وَأظْعَنُ بِالْقَوْمِ شَطْرَ الْمُلُوكِ
وقرأ أبىّ: تلقاء المسجد الحرام. وعن البراء بن عازب قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ثم وجه إلى الكعبة «٢» وقيل: كان ذلك في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين، ورسول اللَّه ﷺ في مسجد بنى سلمة وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب، وحوّل الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، فسمى المسجد مسجد القبلتين «٣» . و (شَطْرَ الْمَسْجِدِ) نصب على الظرف، أى اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد أى في جهته وسمته «٤» لأن
استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البعيد. وذكر المسجد الحرام دون الكعبة: دليل في أنّ الواجب مراعاة الجهة دون العين لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ أن التحويل إلى الكعبة هو الحق لأنه كان في بشارة أنبيائهم برسول اللَّه أنه يصلى إلى القبلتين يَعْمَلُونَ قرئ بالياء والتاء ما تَبِعُوا جواب القسم المحذوف سدّ مسدّ جواب الشرط. بِكُلِّ آيَةٍ بكل برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق، ما تبعوا قِبْلَتَكَ لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة، إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ حسم لأطماعهم إذ كانوا ماجوا في ذلك وقالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم. وقرئ (بتابع قبلتهم) على الإضافة وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ يعنى أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة لا يرجى اتفاقهم، كما لا ترجى موافقتهم لك. وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى مطلع الشمس. أخبر ﷿ عن تصلب كل حزب فيما هو فيه وثباته عليه، فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه لتمسكه بالبرهان، والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته في عناده. وقوله وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بعد الإفصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده في قوله وما أنت بتابع قبلتهم كلام وارد على سبيل الفرض والتقدير، بمعنى: ولئن اتبعتهم مثلا بعد وضوح البرهان والإحاطة بحقيقة الأمر إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ المرتكبين الظلم الفاحش. وفي ذلك لطف للسامعين وزيادة تحذير. واستفظاع لحال من يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى، وتهييج وإلهاب للثبات على الحق. فإن قلت: كيف قال: (وَما أَنْتَ بِتابِعٍ «١» قِبْلَتَهُمْ) ولهم قبلتان