الإسلام (¬١)، أي هي من الإيمان وخصائصه، ولا يتم الإيمان إلا بها، ولأنها تشتمل على نيّة وقول وعمل.
والخلاصة: لم يختلف المسلمون أن النّبي ﷺ كان يصلّي بالمدينة إلى بيت المقدس بعد الهجرة مدة من الزمان، فقال ابن عباس والبراء بن عازب: كان التحويل إلى الكعبة بعد مقدم النّبي ﷺ لسبعة عشر شهرا. وقال قتادة: لستة عشر شهرا، وقد نصّ الله في هذه الآيات على أن الصلاة كانت إلى غير الكعبة، ثم حوّلها إليها بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾، وقوله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ، فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ (¬٢)، وهي الآية التالية التي نفسرها.
﴿قَدْ﴾ للتحقيق في رأي السيوطي، وقال الزمخشري: بمعنى ربما، وهي للتكثير هنا، ومعناه كثرة الرؤية، فهي مثل «ربما» تأتي للكثير والقليل، مثل: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر ٢/ ١٥] أي كثيرا. ونرى هنا بمعنى الماضي، ذكر بعض النحاة: أن «قد» تقلب المضارع ماضيا، مثل ما هنا، ومثل: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور ٦٤/ ٢٤] ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ [الحجر ٩٧/ ١٥] ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ [الأحزاب ١٨/ ٣٣] والمعنى قد علمنا أو رأينا.
﴿وَلَئِنْ﴾ لام القسم. ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ الفاء لسببية ما قبلها في الذي بعدها. ﴿فَوَلِّ﴾ الفاء للتفريع.
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ مرفوع، إما مبتدا وخبره محذوف، وتقديره: الحق من ربك يتلى عليك، أو يوحى إليك أو كائن، وإما خبر مبتدأ مقدر، وتقديره: هذا الحق من ربك.
البلاغة:
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ أطلق الوجه، وأريد به الذات، من قبيل المجاز المرسل، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل.
﴿وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ هي أبلغ من الجملة السابقة، لأنها جملة اسمية، ولتأكيد نفيها بالباء.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ﴾ من باب التحريض على الثبات على الحق.
﴿كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ فيه تشبيه مرسل مفصل، أي يعرفون محمدا ﷺ معرفة واضحة كمعرفة أبنائهم.
﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾ تردد نظرك مرة بعد مرة في جهة السماء، طلبا للوحي، وتشوقا للأمر باستقبال الكعبة، وكان يودّ ذلك، لأنها قبلة أبيه إبراهيم ﵇، ولأنها أدعى إلى إسلام العرب، ولأن اليهود كانوا يقولون: يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا. ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ فلنوجهنك جهتها، وهذا يدل على أن في الجملة السابقة حالا محذوفة، التقدير: قد نرى تقلب وجهك في السماء طالبا قبلة غير التي أنت مستقبلها. ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ تولية الوجه المكان: جعله قبالته وأمامه، والمراد بالوجه: جملة البدن، أي استقبل بوجهك في الصلاة نحو الكعبة. ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ وجهته أو ناحيته، وسميت الكعبة بالمسجد الحرام إشارة إلى أن الواجب على البعيد مراعاة الجهة، دون عين الكعبة: لأن استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البعيد، كما قال الزمخشري.
﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ أي بكل برهان وحجة. ﴿أَهْواءَهُمْ﴾ التي يدعونك إليها، مفرده: هوى، وهو الإرادة والمحبة. ﴿الْمُمْتَرِينَ﴾ الشاكين.
تاريخ النزول:
اختلف العلماء في تاريخ نزول هذه الآيات:
فقال ابن عباس والطبري: هذه الآية متقدمة في النزول على قوله تعالى:
﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ (¬١)، ويؤيده ما
رواه البخاري عن البراء بن عازب في الحديث المتقدم، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، فصلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يتوجه نحو الكعبة، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾. فقال السّفهاء من الناس، وهم اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فقال تعالى:
﴿قُلْ: لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾.
وقال الزمخشري: إن هذه الآية متأخرة في النزول والتلاوة عن قوله تعالى:
﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ ويكون ذلك للإخبار بمغيّب قبل وقوعه، يحدث من