﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾: ﴿إِنْ﴾ مخففة من إنّ الثقيلة، واسمها محذوف أي وإنها، واللام في ﴿لَكَبِيرَةً﴾ لام التأكيد التي تأتي بعد إن المخففة من الثقيلة، ليفرق بينها وبين «إن» التي بمعنى «ما» في نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ﴾ [الفرقان ٤٤/ ٢٥]. والتاء في ﴿كانَتْ﴾ إما أن يراد بها التولية من بيت المقدس إلى الكعبة، وإما أن يراد بها الصلاة، أي وإن كانت الصلاة لكبيرة إلا على من هداهم الله. ﴿هَدَى اللهُ﴾ أي هداهم الله، فحذف ضمير المفعول العائد من الصلة إلى الموصول، كقوله تعالى: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ [الفرقان ٤١/ ٢٥]. أي بعثه الله. وإنما حذف الضمير تخفيفا.
البلاغة:
﴿يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ استعارة تمثيلية، حيث مثّل لمن يرتد عن دينه بمن ينقلب على عقبيه.
﴿السُّفَهاءُ﴾ السّفه: اضطراب الرأي والفكر أو الأخلاق، والسفهاء: الجهال ضعفاء العقول، والمراد بهم هنا: منكر وتغير القبلة من اليهود والمشركين والمنافقين. ﴿وَلاّهُمْ﴾ صرفهم أي النّبي ﷺ والمؤمنين. «القبلة» أصلها الحالة التي يكون عليها المقابل، ثم خصت بالجهة التي يستقبلها الإنسان في الصلاة، وهي قبلة المسلمين في الصلاة وهي جهة الكعبة المشرفة ﴿لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي الجهات كلها، فيأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء. ﴿صِراطٍ﴾ طريق. ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ مستوي معتدل من الأفكار والأعمال، وهو ما فيه الحكمة والمصلحة، وهو دين الإسلام.
﴿وَسَطاً﴾ الوسط: منتصف الشيء أو مركز الدائرة، ثم أستعير للخصال المحمودة، إذ كلّ صفة محمودة كالشجاعة وسط بين الطرفين: الإفراط والتفريط، والفضيلة في الوسط. والمراد: الخيار العدول الذين يجمعون بين العلم والعمل. ﴿عَقِبَيْهِ﴾ العقب مؤخّر القدم، يقال: انقلب على عقبيه عن كذا: إذا انصرف عنه بالرجوع إلى الوراء، وهو طريق العقبين، والمراد: يرتد عن الإسلام.
﴿إِيمانَكُمْ﴾ صلاتكم إلى بيت المقدس، فإنها مسببة عن الإيمان، بل يثيبكم عليه، لأن سبب نزولها السؤال عمن مات قبل التحويل. ﴿بِالنّاسِ﴾ المؤمنين. ﴿لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ في عدم إضاعة أعمالهم، والرأفة: شدّة الرحمة، وهي رفع المكروه وإزالة الضرر، والرحمة أعم، إذ تشمل دفع الضرر، وفعل الإحسان.
سبب النزول:
روى البخاري عن البراء قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، فصلّى نحو بيت المقدس ستّة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يتوجه نحو الكعبة، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾ الآية [البقرة ١٤٤/ ٢]، فقال السفهاء من الناس وهم اليهود: ﴿ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾، قال الله تعالى: ﴿قُلْ: لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ الآية.
وفي الصحيحين عن البراء: مات على القبلة قبل أن تحول رجال، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾.
ما يزال القرآن يتصدى لما كان عليه اليهود وإن شاركهم فيه غيرهم من المشركين كإنكار تحويل القبلة والنسخ.
كان النّبي ﷺ يصلي وهو بالمدينة متجها إلى الصخرة التي في المسجد الأقصى ببيت المقدس، كما كان أنبياء بني إسرائيل يفعلون قبله، وظل كذلك ستة عشر شهرا، ولكنه كان يحب استقبال الكعبة ويتمنى ويدعو الله أن يتوجه إلى قبلة أبيه إبراهيم وهي الكعبة، فكان يجمع بين استقبالها واستقبال الصخرة، فيصلي في جنوب الكعبة مستقبلا الشمال، فاستجاب الله له وأمره بالتوجه إلى البيت العتيق، بعد هجرته إلى المدينة، ونزل قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾ [البقرة ١٤٤/ ٢]. وكان أول صلاة صلاها هي العصر، كما في الصحيحين، قال اليهود والمشركون والمنافقون: ما الذي دعاهم إلى تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؟ وقالوا: لقد اشتاق محمد إلى مولده، وعن قريب يرجع إلى دينه.
وقد بدئ الكلام بالرّد على اعتراضهم على التحويل قبل وقوعه، معجزة له ﵊، ولقن الله نبيه الحجة البالغة والحكمة فيه، ليوطن نفسه عليه، ويستعد للإجابة، عند مفاجأة التساؤلات. وخلاصة الجواب: أنّ الجهات كلها لله، فلا مزية لجهة على أخرى، ولله أن يأمر بالاتجاه إلى ما يشاء من أي جهة، وعلى العبد امتثال أمر ربه كما قال: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة ١١٥/ ٢].
التفسير والبيان:
مهّد الله تعالى لتحويل القبلة في هذه الآيات، وأبان السبب، وقضى على ما علم سبحانه من ظهور اضطرابات عند التحويل، حتى لا يفاجأ المسلمون بشيء