اسمًا للحال التي عليها الإنسانُ من الاستقبال كالجِلْسة والقِعْدة، فقد صارت في التعارُف للمكان المتوجَّهِ نحوه للصلاة إليها.
﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ كنى بهما عن الجهات كلِّها؛ أي: نسبةُ (¬١) جميع الجهات إليه تعالى على السَّواء، فلا يختصُّ بأمره مكانٌ دون مكانٍ لخاصِّيَّةٍ ذاتيةٍ يمتنع إقامةُ غيره مُقامه، وإنما العبرةُ بارتسامِ أمره لا بخصوصِ المكان.
﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو ما عَلم الله تعالى صلاحَهم واستقامةَ أمرهم فيه من توجيههم (¬٢) إلى بيت المقدس تارةً وإلى الكعبة أخرى.
﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الجعلِ العجيبِ، والإشارةُ إلى الجعل المدلول عليه بـ ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ لا إلى الجعل المفهوم من الآية المتقدِّمة، وإنما جيء بما يدلُّ على البعد تفخيمًا، والكافُ مقحَمٌ للمبالغة.
﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ إخبارٌ بكونهم عدولًا مزكَّين بالعلم والعمل، وهو في الأصل اسمٌ للمكان الذي تستوي إليه المساحةُ من الجوانب في المدوَّر، ومن الطرفين في المطوَّل؛ كالنقطةِ من الدائرة، ولسانِ الميزان من العمود، فجُعل عبارة
عن العدل، وشُبِّه به كلُّ ما وقع بين طرفي (¬١) إفراطٍ وتفريطٍ، كالجود بين السَّرَف والبخل، والشجاعةِ بين التهوُّر والجبن، ثم جُعل عبارةً عن المختار من كلِّ شيء، حتى قيل: فلان من أوسطهم نسبًا، فاستوى فيه الواحد والجمع، والمذكَّر والمؤنَّث، كسائر الأسماء التي يوصَف بها.
﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ هو محمد ﵇ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ خاصة ﴿شَهِيدًا﴾ معدِّلًا مزكِّيًا لهم، والشهيدُ كالرقيب والمهَيمِن، فجيء ب (على) لاستعلائه المشهودِ له.
روي أنَّ الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغَ الأنبياء ﵈، فيطالِبُ الله تعالى الأنبياء ﵈ بالبيِّنة على أنهم بلَّغوا وهو أعلَمُ، فيأتون محمدًا ﵇ يلتمِس كلُّ رسول منه طائفةً من أمته تَشهد له، فيَشهدون، فتقول الأمم: من أين عرفتُم؟! فيقولون: علِمنا ذلك بإخبارِ الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيِّه الصادق، فيؤتَى بمحمد ﵇ فيُسألُ عن أمته، فيزكِّيهم ويشهدُ بعدالتهم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] (¬٢).
واستدل بالآية المذكورة على أن الإجماع حجة، إذ لو كان فيما اتَّفقوا عليه باطل لانثَلمت (¬٣) به عدالتُهم، ولا يخفى ضعفُه؛ إذ غاية ما لزم حينئذ خطؤهم في الاجتهاد
ولا تنثلم به العدالة، كيف والخطأ في الاجتهاد مما يثاب عليه؟ وما يثاب عليه لا يكون قادحًا في العدالة.
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: الجهةَ التي كنت عليها وهي الكعبة، كان ﵇ يصلي إليها بمكة، ثم أُمر بعد الهجرة بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس، لا تألُّفًا لليهود لأنَّه مردودٌ بالحصر المستفاد من تمام الكلام الآتي ذكرُه، فإنه صريحٌ في أنَّ جَعْل الكعبة قبلةً ليس تألُّفًا لقريشٍ على هذا الوجه، وأنَّ جَعْل الصخرة قبلةً ليس تألُّفًا لليهود على الوجه الآخَر، ثم حوِّل إلى الكعبة، فالمعنى: ما ردَدْناك إلى الكعبة، وذلك لا يقتضي أن تكون ﴿الْقِبْلَةَ﴾ المفعولَ الأول، و ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ المفعولَ الثانيَ كما تُوهِّم، بل يجوز أن يكون على العكس؛ أي: صيَّرنا الجهةَ التي كنتَ عليها أولًا ثم صُرِفْتَ عنها إلى بيت المقدس قبلتَك أو الصخرة، فالمخبَرُ به على الأول (¬٤) الجعلُ الناسخ، وعلى الثاني المنسوخُ، والمعنى: إنَّ أصل أمرِك أن تَستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتَك بيتَ المقدس إلا امتحانًا وابتلاءً للناس.
وعن ابن عباس ﵄: كانت قبلتُه ﵇ بمكةَ بيتَ المقدس، إلا أنه كان يجعل الكعبةَ بينه وبينه (¬٥).
ولا دلالةَ في هذا على أحد المعنيين المذكورين بخصوصه كما لا يخفى (¬٦).
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ ليَظْهَرَ علمُنا على مظاهر الرسول ﵇ والمؤمنين، ويتميَّزَ عندهم الثابتُ على الإسلام الصادقُ فيه، وإنما عبَّر عن الظهور