﴿الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا﴾: فإن رسول الله ﷺ والمسلمون كانوا يصلون باتجاه بيت المقدس (باتجاه الشمال) بعد الهجرة إلى المدينة، كما روى البخاري في حديث البراء الّذي سبق ذكره في سبب النّزول، وكان استقباله إلى بيت المقدس بأمر من الله ووحيه، كما قال ابن عبّاس.
﴿قُلْ﴾: يا محمّد لهؤلاء السّفهاء.
﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾: مُلكاً، وخلقاً، وشمالاً، وجنوباً، فالكون له وحده، وله الخلق والأمر. لله: اللام لام الاختصاص تدل على الحصر؛ أي: لله حصراً.
﴿يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ﴾: من يشاء إلى صراط مستقيم، لم يُبين لنا ما هو الصّراط المستقيم، ولكن بينه في سورة الحمد آية (٦ - ٧)، وقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ أي: الإسلام. ارجع إلى سورة الفاتحة، آية (٦) لمزيد من البيان.
والأمة هي الجماعة الّتي تجمعها عقيدة واحدة بغض النّظر عن الكم البشري، والحيز الجغرافي.
﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾: الوسط في الأصل: هو المنتصف، ووسط الشّيء، وله طرفان متساويان القدر. وقيل: الوسط: العدل (قال ابن عباس) والخيار.
﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾: أي: جعلناكم الخيار العدول؛ أي: لا غلو، ولا تقصير في العقيدة والعبادات.
﴿لِتَكُونُوا﴾: اللام: لام التّعليل.
﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: قيل: هؤلاء الشّهداء هم أولو العلم من أمة محمّد ﷺ، فقط الّذين يسألون أن يشهدوا يوم القيامة، أو يدعون إلى الشّهادة للأنبياء على أممهم أنهم قد بلغوا رسالات ربهم بعد أن تكذبهم أممهم، فقد روى البخاري في صحيحه عن أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم؛ فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير؛ فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته؛ فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيداً، فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، والسّؤال هنا ما دلالة تقديم الشّهداء على رسول الله ﷺ؛ لأنّ شهادتهم على الأمم والأنبياء هو الهدف العام الأول، وكون الرّسول شهيداً عليهم هو الهدف الخاص بهم، وكيف يشهدون على غيرهم من الأمم وعلى الرسل وهم لم يدركوهم؟ يقولون بما معناه: ربنا قرأنا كتابك وقصصت علينا أنهم قد بلغوا فشهدنا بما عهدت إلينا فيقول الرب: صدق نوح (أو الرسل) وصدقت أمة محمد.
وهذه ميزة لأمة محمّد ﷺ على سائر الأمم الأخرى. ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة؛ لمعرفة معنى النّاس. وارجع إلى سورة الحج آية (٧٨) لمزيد في معنى شهداء على الناس.
﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾: يكون على أمته شهيداً في الآخرة على أنّه قد بلغهم (الرّسالة)؛ أي: شرعُ الله، أو يشهد على أعمالكم، ولم يقل لكم شهيداً، أو شهيداً لكم أي: يشهد لمصلحتكم، وإنما قال عليكم؛ أي: على أعمالكم؛ لأنّ على تفيد الاستعلاء؛ لأنّ حياة ومصير المشهود عليه رهن بشهادة الشّهيد، وليس الشّهيد بمنزلة المشهود له؛ أي: المتهم، أو شهيداً على صدقكم فيما شهدتهم به للرسل.
﴿وَمَا﴾: النّافية.
﴿جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: هذا بيان للحكمة في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة: إنّه اختبار إيماني لهم، فالله سبحانه يعلم علم اليقين ماذا سيحدث، وما فعل ذلك إلَّا ليكون الإنسان شهيداً على نفسه يوم القيامة، ويعلم درجة إيمانه، ومن يتبع الرّسول فيما أوحى اللهُ إليه ممن سينقلب على عقبيه، والعقب هو مؤخَّر القدَم؛ ويعني: الرّجوع إلى الوراء، والمراد به الارتداد عن الإسلام، والعودة إلى اليهودية، أو الشّرك، وينقلب على عقبيه استعارة تمثيلية للمرتد عن دينه.