ثباتكم على الإيمان والاستقامة. وقيل: نزلت فيمن صلَّى إلى بيت المقدس، ومات قبل تحويل القبلة فصلاته غير ضائعة وله أجره.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ﴾: انتبه إلى إن حرف توكيد، واللام في رؤوف حرف تأكيد ثان، بالناس: الباء للإلصاق. النّاس: ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة لمزيد من البيان. رؤوف: من الرّأفة أشد من الرّحمة، والرّحمة أعم من الرّأفة.
﴿رَحِيمٌ﴾: لا يضيع أجر، عمل عاملٍ منكم مهما كان.
والصّلاة إلى بيت المقدس في البداية كان لها حِكم كثيرة لا يعلمها إلَّا الله إضافة إلى الاختبار الإيماني، قد يكون من بينها دلالاتها على وحدة الرّسالات السّماوية، ولتهدئة الصّراع النفسي لهؤلاء الّذين خرجوا من مكة، ولنعلم أنّ الكعبة كانت في ذلك الزّمان محاطة بالأصنام، ولم يتم تطهير الكعبة من رجس الوثنية بعد، والعبادة ليس وقفاً على جهة معينة، والتّسليم لما أمر الله هو أساس الطّاعة.
﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ﴾: تردُّد وجهك بالنّظر إلى السماء المرة تلو المرة طالباً قبلة غير الّتي أنت عليها (قبلة بيت المقدس).
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾: الفاء: للتأكيد، والنّون في نولينك: للتأكيد.
لنولينك: من التّولية، وتولية الوجه المكان؛ أي: اجعله أمامك، أو استقبله بوجهك، فلنولينك؛ تعني: لنوجهنك.
﴿قِبْلَةً﴾: أي: الجهة الّتي يستقبلها الإنسان في الصّلاة.
﴿تَرْضَاهَا﴾: الرّضا هو اطمئنان القلب إلى أمر فيه نفع، والرّضا: هو المحبة النّاتجة عن التّعقل، والتّفكير؛ أي: محبة ممزوجة بالفكر والعقل؛ لأنّ الحب من دون فكر، وعقل قد لا يدوم، أو لا تحمد عقباه.
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: أي: استقبل بوجهك في الصّلاة المسجد الحرام، والمراد بالوجه (الذّات؛ أي: جملة البدن) من قبيل المجاز؛ أي: إطلاق الجزء، وإرادة الكل.
شطر المسجد الحرام، وقال المسجد الحرام لم يقل الكعبة تحديداً؛ لإزالة الحرج على المسلمين؛ لأنّ المسجد الحرام يضم الكعبة حجر إسماعيل، ومقام إبراهيم، وكل ما حوله إلى حدوده.
الشّطر: الناحية الجهة؛ أي: جهته وناحيته، ونحوه وتلقاءه، والشّطر: هو النّصف، فإذا وقفت في وسط دائرة فيكون نصفها أمامك، ونصفها خلفك.
أي: اجعل وجهك جهة المسجد الحرام؛ أي: نحوه، وتلقاءَه، وبهذا الأمر الإلهي تحوَّلت القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام.
روى البخاري عن البراء قال: لما قدِم رسول الله ﷺ المدينة فصلَّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً.
وروي عنه ﷺ: أنه كان يصلِّي في مكة نحو بيت المقدس، وكان يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فكأنه يستقبل القبلتين معاً.
وبعد الهجرة لم يعد يمكنه ذلك، فصار ﷺ يكثر تقلب وجهه في السّماء، ويدعو الله أن يوجهه نحو المسجد الحرام، وهكذا حتّى نزلت هذه الآية.
وروي عنه أنّه ﷺ كان يصلِّي الظّهر في مسجد بني سلمة المعروف الآن بمسجد القبلتين، فنزل الوحي (جبريل) بهذه الآية فصلَّى ركعتين إلى بيت المقدس، ثم صلَّى ركعتين إلى المسجد الحرام، وصلَّى وراءَه المسلمون.
وقد جاء في صحيح البخاري: أنّ الصّلاة الّتي وقع فيها التّحويل (تحويل القبلة) كانت صلاة الظّهر في المسجد النّبوي فصلَّى ركعتين متَّجهاً إلى المسجد الأقصى، وركعتين إلى المسجد الحرام.
وخلاصة أقوال المفسرين: أنّ صلاة الظّهر صلاها ﷺ كانت في بني سلمة صلَّى فيها ركعتين (من أصل ٤ ركعات) نحو المسجد الأقصى، وصلَّى الركعتين الباقيتين من صلاة الظّهر نحو المسجد الحرام، وصلَّى صلاة العصر في المسجد النّبوي كاملة نحو المسجد الحرام.
﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾: وحتى لا يعتقد أحد أن تحويل القبلة خاصاً بأهل المدينة؛ لذلك قال -جل وعلا-: وحيث ما كنتم: في أي بلد، أو مدينة، أو قرية، أو فلاة، أو كهف فولوا وجوهكم شطره.
وحيث: للمكان والزّمان والحال، وحيث: اسم مكان مبهم يفسِّره ما يضاف إليه، وإضافة ما (المطلقة) إلى حيث تزيدها إبهاماً وغموضاً.