وأمره الله ﷿ باستقبال الكعبة يوم الثلاثاء للنصف من شعبان. انتهى كلّه من القرطبي بتصرّف كبير منّي.
الإعراب: ﴿سَيَقُولُ:﴾ السين: حرف استقبال. (يقول السّفهاء): مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿السُّفَهاءُ﴾. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿وَلاّهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (﴿ما﴾)، تقديره: هو، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ما وَلاّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿قِبْلَتِهِمُ﴾. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا عَلَيْها﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها.
﴿الْمَشْرِقُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ لِلّهِ..﴾.
إلخ، مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَالْمَغْرِبُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾). ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والمفعول محذوف، أي: هدايته، وتوفيقه. والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنَ﴾ أو صفتها، وجملة:
﴿يَهْدِي..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط. وقيل: هي في محل نصب مقول القول، والأوّل أقوى. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة صراط.
الشرح: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الإشارة إلى مفهوم الآية السابقة؛ أي: كما جعلناكم مهديّين إلى الصّراط المستقيم، أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل؛ جعلناكم... إلخ ﴿أُمَّةً وَسَطاً:﴾ خيارا، أو عدولا مزكّيين بالعلم، والعمل. وهو يستوي فيه المذكر، والمؤنث. ولمّا جعل الله هذه الأمة
وسطا؛ خصّها بأكمل الشّرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ وفي سورة (ن): ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أي:
أعدلهم، وخيرهم، وقال زهير في معلقته: [الطويل]
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم... إذا نزلت إحدى اللّيالي بمعظم
وفي الحديث: «خير الأمور أوساطها». وفيه عن علي-﵁: «عليكم بالنّمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النّازل». وليس من الوسط الذي بين شيئين في شيء، والوسط بسكون السين: الظرف، تقول: صليت وسط القوم، وجلست وسط القوم. قال الجوهري: كل موضع صلح فيه «بين» فهو وسط، وإن لم يصلح فيه «بين» فهو وسط بالتّحريك.
وانظر الآية رقم [٢٣٧] الآتية.
﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ هذا يكون يوم القيامة، يوم يجمع الله الأوّلين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم السّابقة: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ﴾ فينكرون، ويقولون: ﴿ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ فيسأل الله الأنبياء عن ذلك، فيقولون: كذبوا! قد بلغنا، فيسألهم البينة-وهو أعلم بهم-إقامة للحجّة، فيقولون: أمّة محمد ﷺ تشهد لنا، فيؤتى بأمة محمد، ﵊ فيشهدون لهم: أنهم قد بلّغوا، فتقول الأمم الماضية: من أين علموا، وإنّما كانوا بعدنا؟ فيسأل الله هذه الأمّة، فيقولون: أرسلت إلينا رسولا كريما، وأنزلت عليه كتابا مبينا، أخبرتنا فيه بتبليغ الرّسل، وأنت صادق فيما أخبرت. ثم يؤتى بمحمّد سيّد الخلق، وحبيب الحقّ، فيسأل عن حال أمّته، فيزكّيهم ويشهد بصدقهم. انتهى. خازن.
﴿شُهَداءَ:﴾ جمع شاهد، أو شهيد. ﴿الرَّسُولُ﴾ المراد به هنا محمّد ﷺ. ﴿الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ أي: أوّلا، وهي الكعبة المعظّمة، وكان النبيّ ﷺ يتوجّه إليها في صلاته، وهو في مكّة، كما رأيت فيما سبق، فلمّا هاجر إلى المدينة المنوّرة؛ أمره ربّه باستقبال بيت المقدس، تألّفا لليهود، فصلّى مستقبلا إيّاه، كما رأيت فيما سبق، ثمّ حوّل، وهو ما تراه في الآية التالية.
﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ..﴾. إلخ أي: لنمتحن به الناس، ونميّز من يتّبعك في التّوجه إليها ممّن يرتدّ عن دينك شكّا، وتحيّرا. وقد ارتدّ جماعة. هذا؛ والتعبير بقوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ استعارة تمثيلية؛ حيث مثّل لمن يرتدّ عن دينه بمن ينقلب على عقبيه. ومثل هذه الآية قوله تعالى:
﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ﴾ الآية [١٤٠] من سورة (آل عمران)، وقوله تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ الآية رقم [٣١] من سورة (محمد ﷺ.
﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ أي: وإنّ هذا التوجه والتحويل إلى الكعبة كان امتحانا كبيرا، وشاقّا على ضعفاء الإيمان، لكنّ الذي كتب الله لهم السعادة ثبتهم على الإيمان،
واتّباع الرسول ﷺ، فلم يرتابوا. هذا؛ واسم (﴿كانَ﴾) يعود إلى القبلة، أو التّحويلة، أو التولية، فلذا أنث الفعل.
﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ أي: وما كان ليضيع ثواب صلاتكم إلى بيت المقدس. وذلك أنّ بعض اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس: إن كانت على هدى؛ فقد تحوّلتم عنه، وإن كانت على ضلالة؛ فقد دنتم الله بها مدّة، ومن مات منكم عليها؛ فقد مات على ضلالة؟! فانطلق جماعة من المسلمين إلى النبي ﷺ، فقالوا: يا رسول الله! قد صرفك الله إلى ملّة إبراهيم، فكيف بإخواننا الذين ماتوا، وهم يصلّون إلى بيت المقدس؟! فأنزل الله:
﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾. انتهى جمل بتصرّف.
هذا؛ وقد عبّر الله تعالى عن الصّلاة بالإيمان لعظم شأنها، وجلالة قدرها، وأنّها قاعدة الإسلام، وروح الإيمان. ﴿إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ الرأفة: شدة الرحمة، والعطف والحنان، وفي الصّحيح: أنّ رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فرّق بينها وبين ولدها، فجعلت كلّما وجدت صبيّا من السّبي؛ أخذته، فألصقته بصدرها، وهي تدور على ولدها، فلمّا وجدته؛ ضمّته إليها، وألقمته ثديها، فقال رسول الله ﷺ: «أترون هذه طارحة ولدها في النّار؛ وهي تقدر على ألا تطرحه؟». قالوا: لا يا رسول الله! قال: «فو الله لله أرحم بعباده من هذه بولدها!». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠٦] فإنّه جيّد، والحمد لله!.
الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿كَذلِكَ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل الذي بعده، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَعَلْناكُمْ:﴾ فعل وفاعل، ومفعول به أول. ﴿أُمَّةً،﴾ مفعول به ثان. ﴿وَسَطاً:﴾ صفة.
﴿أُمَّةً﴾ وجملة: ﴿وَكَذلِكَ..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها، انظر تأويل الكلام في الشرح.
﴿لِتَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب «أن» مضمرة جوازا بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة. والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿شُهَداءَ:﴾ خبره.
و «أن» المضمرة والفعل: (تكونوا) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أي: جعلناكم لكونكم شهداء على الناس في المستقبل. ﴿عَلَى النّاسِ:﴾
متعلقان ب ﴿شَهِيداً﴾. ﴿وَيَكُونَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿الرَّسُولُ:﴾ اسمه.
﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿شَهِيداً﴾. و ﴿شَهِيداً:﴾ خبر ل (﴿يَكُونَ﴾).
﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿جَعَلْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْقِبْلَةَ:﴾ مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿الْقِبْلَةَ﴾. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كُنْتَ،﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿الَّتِي،﴾ وتقدير الكلام: