الإعراب. ﴿فَمَنْ﴾ الفاء: حرف استئناف. (من) اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿حَجَّ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو. ﴿الْبَيْتَ:﴾ مفعول به. ﴿أَوِ:﴾ حرف عطف. ﴿اِعْتَمَرَ:﴾ فعل ماض معطوف على سابقه، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، ومتعلقه محذوف؛ إذ التقدير: اعتمر فيه.
﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل إنّ. ﴿جُناحَ:﴾
اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر (لا). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَطَّوَّفَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿إِنَّ﴾ والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿بِهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. و ﴿إِنَّ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في تطوافه بهما، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿جُناحَ﴾ لأنه مصدر، أو المصدر في محل نصب بنزع الخافض. هذا؛ وقد قيل: إنّ خبر (لا) محذوف، التقدير: فلا جناح في الحجّ، وإنّ الوقف على ﴿جُناحَ﴾ وأنّ ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، والمصدر المؤوّل في محل رفع مبتدأ مؤخر، وهو وجه ضعيف، فلا حاجة إلى تكلّفه. وجملة: (لا ﴿جُناحَ..﴾.) إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الّذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة فعل الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المعتمد عند المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا مبتدأ، فتكون الجملة الفعلية بعده صلته، والخبر جملة: ﴿فَلا جُناحَ..﴾. إلخ، واقترنت بالفاء؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: (من ﴿حَجَّ..﴾.) إلخ مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿خَيْراً:﴾ منصوب بنزع الخافض، التقدير: تطوع بخير، أو هو صفة مصدر محذوف، أي: تطوع تطوعا خيرا، وقيل: هو حال من ذلك المصدر المقدّر معرفة عند سيبويه، هو مذهبه، انتهى جمل نقلا من السمين. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ) حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿شاكِرٌ عَلِيمٌ:﴾ خبران ل (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وقل فيها ما قلته بسابقتها من أوجه الإعراب. والله الموفق للحقّ والصّواب.
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ﴾ أي: يخفون ما أنزلناه من الآيات البينات، والدلائل الواضحات الدالة على صدق محمد ﷺ وثبوت نبوته. ﴿وَالْهُدى:﴾ ما يهدي إلى
وجوب اتباعه، والإيمان به. ﴿مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ﴾ ليتبعوه، ويهتدوا به، ويسيروا على نهجه. والذين كتموا هم: أحبار اليهود، ورهبان النصارى، كتموا أمر محمد ﷺ مع أن الإنجيل، والتوراة قد أمرهم باتباع محمد ﷺ. وموسى، وعيسى-على نبينا، وعليهما ألف صلاة وألف سلام-قد بشرا به، قال تعالى في سورة (الأعراف): ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ رقم [١٥٧]. ﴿فِي الْكِتابِ﴾ المراد:
التوراة. ﴿أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ أي: الملائكة، والمؤمنون، أو كلّ شيء في السّماوات، والأرض، ويكونون قد جمعوا جمع من يعقل بالواو، والنون؛ لأنه أسند إليهم فعل من يعقل: كقوله تعالى حكاية عن قول يوسف-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-:
﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ ولم يقل: ساجدات. ومثله كثير، فهو من باب التغليب.
هذا؛ واللعن: الطرد، والإبعاد من رحمة الله تعالى، ولقد كرّر الله لعن الكافرين في هذه الآية، كما لعن الظّالمين، والكاذبين، والمنافقين النّاقضين للعهد، والميثاق في آيات متفرقة، وهو دليل قاطع على أنّ من مات على كفره؛ فقد استحقّ اللّعن من الله، والملائكة، والناس أجمعين، وأمّا الأحياء من الكفار؛ فقد قال بعض العلماء: لا يجوز لعن كافر معين؛ لأنّ حاله لا يعلم عند الوفاة، فلعلّه يؤمن، ويموت على الإيمان، وقد قيّد الله في الآية التالية إطلاق اللعنة على من مات على الكفر، ويجوز لعن الكفار جملة بدون تعيين، كما في قولك: لعن الله الكافرين، يدل عليه قول النبي ﷺ: «لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشّحوم، فجمّلوها، وباعوها». وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معيّن من الكفار بدليل قتاله. وهو الصّحيح، كيف لا؟ وقد لعن حسان بن ثابت-﵁-أبا سفيان، وزوجه هندا في شعره، ولم ينكر عليه النبي ﷺ. خذ قوله: [السريع]
لعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر
وقد لعن الفاروق-﵁-أبا سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي، وغيرهم؛ الذين قدموا المدينة المنورة بعد غزوة أحد، وقد أعطاهم النبيّ ﷺ الأمان على أن يكلّموه، فقام معهم جماعة من المنافقين، وقالوا للنبي ﷺ: ارفض ذكر آلهتنا بسوء، وقل: إنّ لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك. فشقّ ذلك على سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ، فقال الفاروق-﵁: يا رسول الله ائذن لي في قتلهم، فقال: إني أعطيتهم الأمان، فقال الفاروق-﵁: اخرجوا في لعنة الله، وغضبه؛ ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك. كيف لا؟ وآية النور رقم [٧] تأمر المسلم أن يلعن نفسه؛ إن كان من الكاذبين.
وأما العصاة من المسلمين لا يجوز لعن واحد منهم على التعيين قطعا، وأما على الإطلاق فيجوز، كما في قولك: لعن الله الفاسقين، والفاسقات، والفاسدين، والفاسدات، والخبيثين،
والخبيثات... إلخ؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لعن الله السّارق يسرق البيضة، والحبل، فتقطع يده». ولعن رسول الله ﷺ: «الواشمة، والمستوشمة، وآكل الرّبا، ولعن من غيّر منار الأرض، ومن انتسب إلى غير أبيه، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن أتى امرأة في دبرها، وغير ذلك». وكلّ ذلك في الصحيح من الأحاديث، وخذ ما يلي:
عن أبي الدرداء-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ العبد إذا لعن شيئا؛ صعدت اللّعنة إلى السّماء، فتغلق أبواب السّماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا، فإن لم تجد مساغا؛ رجعت إلى الّذي لعن، فإن كان أهلا، وإلاّ؛ رجعت إلى قائلها». رواه أبو داود.
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في أحبار اليهود، ورهبان النّصارى الذين كتموا ما في التوراة كآية الرّجم، ونعت محمد ﷺ، وهي تعمّ كلّ من كتم شيئا من أحكام الدّين لعموم الحكم؛ فإنّ خصوص السّبب لا يمنع تعميم الحكم إلى يوم القيامة، والأحاديث الشريفة كثيرة في هذا الباب، وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «من سئل عن علم، فكتمه؛ ألجم يوم القيامة بلجام من نار». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة.
وعن أبي سعيد الخدريّ-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «من كتم علما ممّا ينفع الله به النّاس في أمر الدّين؛ ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار». رواه ابن ماجة.
وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «مثل الّذي يتعلّم، ثمّ لا يحدّث به، كمثل الّذي يكنز الكنز، ثم لا ينفق منه». رواه الطّبرانيّ في الأوسط.
وعن ابن عباس-﵄: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «تناصحوا في العلم، فإنّ خيانة أحدكم في علمه أشدّ من خيانته في ماله، وإنّ الله مسائلكم». رواه الطّبرانيّ في الكبير.
وهذه الآية هي التي أراد أبو هريرة-﵁-في قوله: لولا آية في كتاب الله تعالى ما حدّثتكم حديثا، وقال الرسول ﷺ: «لا تمنعوا الحكمة أهلها، فتظلموهم، ولا تضعوها في غير أهلها، فتظلموها». وروي عنه ﷺ: أنّه قال: «لا تعلّقوا الدّرّ في أعناق الخنازير».
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى﴾ دلّ على أنّ ما كان من غير ذلك جائز كتمه، لا سيما إن كان مع ذلك خوف، فإنّ ذلك آكد للكتمان، وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف، فقال: حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين، فأمّا أحدهما؛ فبثثته، وأما الآخر؛ فلو بثثته؛ قطع هذا البلعوم.
أخرجه البخاريّ. قال العلماء: وهذا الذي لم يبثّه أبو هريرة-﵁-وخاف على نفسه من الفتنة، والقتل، إنّما هو ممّا يتعلق بأمر الفتن، والنّص على أعيان المرتدّين، والمنافقين، ونحو هذا مما لا يتعلّق بالبينات، والهدى. والله تعالى أعلم.