تحقيق اللقاء والاتحاد، بدليل أن اليهود والنصارى الذين اختلفوا في التوراة، فادعى النصارى أن فيها صفة عيسى، وأنكر اليهود صفته، أو أنهم خالفوا ما في التوراة من صفة محمد ﷺ، سيظل الشقاق والخلاف الخطير قائما بينهم. وأخبر عن المتصفين بالكتم والاشتراء بأربعة أخبار: الأول-ما يأكلون في بطونهم إلا النار، والثاني-لا يكلمهم الله يوم القيامة، والثالث-لا يزكيهم أي لا يقبل أعمالهم فيثني عليهم، والرابع-لهم عذاب أليم.
وبه يتبين أن المراد من قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني القرآن هنا، أنزله الله بالصدق أو بالحجة الدامغة. وأن المراد من قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ﴾ يعني التوراة. وقيل: المراد القرآن. والذين اختلفوا: كفار قريش، فقال بعضهم: هو سحر، وقال آخرون: أساطير الأولين، وقال جماعة: مفترى.
﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ البر: خبر ليس المنصوب، و ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ اسمها، ومن قرأ ﴿الْبِرَّ﴾ بالرفع جعله اسم ليس و ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ خبرها، أي: ليس البر توليتكم.
﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ البر: اسم لكن، والخبر محذوف تقديره: ولكن البر بر من آمن بالله، أو لكن ذا البر من آمن بالله، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
﴿عَلى حُبِّهِ﴾ يعود الضمير إلى المال، والمصدر مضاف إلى المفعول، وهو اعتراض يسمى في البلاغة تتميما.
﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ مرفوع من ثلاثة أوجه: إما لأنه عطف على ضمير في ﴿آمَنَ بِاللهِ﴾ وإما معطوف على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ أي: ولكن البار المؤمنون والموفون، وإما أنّه خبر مبتدأ محذوف تقديره: «وهم الموفون».
﴿وَالصّابِرِينَ﴾ منصوب من وجهين: إما أن يكون منصوبا على المدح، وتقديره: أمدح الصابرين. وإما أنه معطوف على قوله ﴿ذَوِي الْقُرْبى﴾ أي: وآتى الصابرين.
البلاغة:
﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ جعل البر نفس من آمن على طريق المبالغة، مثل السخاء حاتم، والشعر زهير، أي أن السخاء سخاء حاتم والشعر شعر زهير.
﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ إيجاز بالحذف أي وفي فك الرقاب يعني فداء الأسرى. والرقاب: مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكل.
﴿وَالصّابِرِينَ﴾ منصوب على الاختصاص أي وأخص بالذكر الصابرين.
﴿الْبِرَّ﴾ اسم جامع لكل خير، وهو كل ما يتقرب به إلى الله من الإيمان به وصالح الأعمال وفاضل الأخلاق. ﴿وَآتَى الْمالَ﴾ أي أعطاه ﴿وَالْيَتامى﴾ اليتيم: من لا والد له وهو محتاج ﴿الْمَساكِينَ﴾ المسكين: هو المحتاج الذي له مال لا يكفيه، وسمي بذلك لأن الحاجة أذلته وأسكنته. وأما الفقير: فهو الذي لا مال له. ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ ابن الطريق، وهو المسافر المحتاج، البعيد عن ماله ولا يمكنه إحضاره. ﴿وَالسّائِلِينَ﴾ السائل: من ألجأته الحاجة إلى السؤال والطلب من الناس. والسؤال محرم شرعا إلا لضرورة يجب على السائل أن يقتصر عليها ولا يتعداها.
﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ أي وفي تحرير الرقاب وعتقها ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ﴾ أي أداها على أقوم وجه وأحسنه ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ العهد: ما يلتزم به إنسان لآخر. ﴿الْبَأْساءِ﴾ من البؤس وهو شدة الفقر
﴿الضَّرّاءِ﴾: كل ما يضر الإنسان من مرض أو فقد محبوب ﴿حِينَ الْبَأْسِ﴾ وقت شدة القتال.
﴿صَدَقُوا﴾ في دعوى الإيمان ﴿الْمُتَّقُونَ﴾ التقوى: الوقاية من غضب الله بالبعد عن المعاصي.
سبب النزول:
روى عبد الرزاق عن قتادة قال: كانت اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى قبل المشرق، فنزلت: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية (¬١).
وروى الطبري وابن المنذر عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا سأل النبي ﷺ عن البر، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ.﴾. فدعا الرجل فتلاها عليه، وكان قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ثم مات على ذلك، يرجى له في الآخرة خير، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا.﴾.
وكانت اليهود توجهت قبل المغرب، والنصارى قبل المشرق.
التفسير والبيان:
كان تحويل القبلة سببا في فتنة كبري بين أهل الأديان، فأصبح كل فريق يرى أن الصلاة لا تصح إلى غير القبلة التي هو عليها، واحتدم الخلاف بين المسلمين وأهل الكتاب، فرأى الكتابيون أن الصلاة يلزم أن تكون إلى قبلتهم، وهي قبلة بعض الأنبياء، واحتج المسلمون بأن الصلاة لا تقبل ولا يرضى عنها الله إلا بالاتجاه إلى المسجد الحرام قبلة أبي الأنبياء إبراهيم ﵇.
فأبان الله ﷾ للناس كافة أن مجرد توجيه الوجه جهة المشرق والمغرب ليس في ذاته هو البر المقصود، ولا يعد عملا صالحا بمجرده، وإنما البر الحقيقي شيء آخر وهو الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر إيمانا قلبيا صادقا كاملا مقرونا بالعمل الصالح، وهو الإيمان الذي يملأ النفس خشية