﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ بأن زاد في الطعام للمسكين، أو في عددِ مَن يلزمُه إطعامُه وانتصاب خيرًا على أنه صفة لمصدر محذوف أي: تطوعًا خيرًا لا على إسقاط الحرف أي: بخير لأنَّه غير قياس.
و (مَن) (¬١) في قراءةِ مَن جعَل ﴿تَطَوَّعَ﴾ ماضيًا تَحتمِل الموصولةَ (¬٢) والشرطيَّة، وفي قراءةِ مَن قرأها مجزومًا (¬٣) شرطيَّةٌ.
﴿فَهُوَ﴾؛ أي: فالتطوُّع ﴿خَيْرٌ﴾؛ أي: أكثرُ خيرًا ﴿لَهُ﴾ من الاقتصار على القَدْر المفروض.
﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ أيها المطِيقون أو المطوَّقون.
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الفديةِ على أيِّ وجهٍ كان.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جوابُه محذوفٌ دلَّ عليه ما قبلَه؛ أي: إنْ كنتُم من أهل العلم والتمييز عَلِمْتم أن الصوم خيرٌ لكم من ذلك.
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ مبتدأٌ خبرُه ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، أو: ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾، والفاءُ لوصف المبتدأ بما تضمَّن معنى الشرطِ، وفيه إشعارٌ بأنَّ الإنزال فيه سبب اختصاصه بوجوب (¬١) الصوم فيه.
أو بدلٌ من ﴿الصِّيَامُ﴾ في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، و ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾ صفتُه أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هو - أو: هي - الأيام المعدودات، وقُرئ بالنصب (¬٢) بدلًا منها، أو على: صوموا شهرَ رمضان، ولا يجوز أن يكون مفعولَ (أن تصوموا)؛ إذ حينئذ يَلزم الفصلُ بين المعمول وعامله بالخبر.
ورمضانُ (¬٣) مصدرُ رَمضَ: إذا احترق من الرَّمْضاء، فأُضيف إليه الشهرُ وجُعل علمًا ومُنع الصرفَ للتعريف والألفِ والنون، وسمَّوه بذلك لارْتماضِهم فيه من حرِّ الجوع والظَّمأ (¬٤)، أو لوقوعه أيامَ رَمَضِ الحرِّ حينما (¬٥) نقلوا أسماء الشهور عن اللُّغة القديمة.
وقد يُحذف المضاف لأَمْن الإلباس، على ما جاء في الحديث: "مَن صام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقدَّمَ من ذَنْبه" (¬٦).
﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾؛ أي: ابتدأ فيه إنزالُه، وكان ذلك في ليلة القَدْرِ.
وقيل: أُنزل جملةً إلى سماءِ الدنيا، ثم أُنزل إلى الأرض نجومًا.
وقيل: أُنزل في شأنه القرآن، وهو قولُه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾.
﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ إلى الحقِّ، حالٌ.
﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾: وآياتٍ واضحاتٍ، عطفٌ عليه.
﴿مِنَ الْهُدَى﴾: من جملةِ ما يهدي اللّهُ به الناسَ.
﴿وَالْفُرْقَانِ﴾: وما يُفْرقُ به بين الحقِّ والباطل؛ من وحيه وكتبه السماوَّية الهاديَة الفارقة (¬١) بينهما.
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾؛ أي: فمَن شَهِدَ منكم هلالَ الشهر ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ على أنه مفعولٌ به؛ كقولك: شهدتُ الجمعةَ؛ أي: صلاتَها، وعلى هذا يَنتظِم أمرُ المريض والمسافر، ولا بدَّ منه لأن أصل الوجوبِ ثابتٌ في حقِّهما، والساقطُ بالرخصة المستفادة من قوله:
﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إنما هو وجوبُ الأداء، فلا وجه لأن يكون ﴿شَهِدَ﴾ بمعنى: حَضَر؛ لاستلزامهِ اختصاصَ الأمر بالمقيم، ولا صحةَ له (¬٢)؛ إذ حينئذٍ يلزم أن يكون الحكمُ المذكورُ في حقِّ المسافر عزيمةً.
وعلى تقديرِ حملِ الوجوبِ المستفادِ من الأمر على وجوبِ الأداءِ لا وجهَ لتخصيص المقيم بالذِّكر دون الصَّحيح.
ثم إنَّ اختصاص وجوبِ الأداء بما عدا المريضَ والمسافرَ قد عُلم من قوله: