في جميعها بالحج. وخالف الشافعي في ذلك لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة ١٩٧/ ٢]، ولأنّ معنى هذه الآية أن بعضها مواقيت للناس، وبعضها مواقيت للحج، وهذا كما تقول: هذه السلعة لخالد وعمر، أي بعضها لخالد وبعضها لعمر، ولا يجوز أن يقال: جميعها للأول وجميعها للثاني.
وفي هذه الآية بيان أن ما لم يشرعه الله قربة، ولا ندب إليه، لا يصير قربة بأن يتقرب به متقرب، فدخول الدار من ظهرها لا من بابها ليس قربة يثاب عليها الشخص.
وقد نهى الرسول ﷺ رجلا اسمه أبو إسرائيل عن القيام في الشمس، وقال: «مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه» (¬١).
وأكّد الله تعالى أوامره ونواهيه في كثير من الآيات بالأمر بتقوى الله للوصول إلى الفلاح، والمعنى: اتقوا الله، فافعلوا ما أمركم به، واتركوا ما نهاكم عنه، لتفلحوا غدا أو رجاء أن تكونوا من المفلحين إذا وقفتم بين يديه، فيجازيكم على التمام والكمال.
﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ﴾ فيه ما يسمى بحذف الإيجاز، تقديره: هتك حرمة الشهر الحرام تقابل بهتك حرمة الشهر الحرام.
﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ سمي جزاء العدوان عدوانا من قبيل «المشاكلة»: وهي الاتفاق في اللفظ، مع الاختلاف في المعنى، مثل قوله تعالى أيضا: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى ٤٠/ ٤٢]، وقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠/ ٨]، تقول العرب: ظلمني فلان فظلمته، أي جازيته بظلمه. ومثل: ﴿فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [البقرة ١٩٣/ ٢] سمي ما يصنع بالظالمين عدوانا من حيث هو جزاء عدوان، إذ الظلم يتضمن العدوان، فسمي جزاء العدوان عدوانا.
المفردات اللغوية:
﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي لإعلاء دينه، لأنه طريق إلى مرضاته، فالقتال في سبيل الله: هو القتال لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه. ﴿يُقاتِلُونَكُمْ﴾ أي يتوقع منهم قتالكم.
﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ أي لا تبدءوهم بالقتال. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ المتجاوزين ما حدّ لهم من الشرائع والأحكام. ومحبة الله لعباده: إرادة الخير والثواب لهم. ﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ وجدتموهم وأدركتموهم. ﴿مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي من مكة، وقد فعل بهم ذلك عام فتح مكة.
﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ الشرك منهم أعظم من القتل لهم في الحرم أو الإحرام الذي استعظمتموه. وقيل: إن المراد بالفتنة: ما يقع من المشركين من صنوف الإيذاء والتعذيب. ﴿عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أي في الحرم. ﴿كَذلِكَ﴾ أي القتل والإخراج. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن الفكر وأسلموا. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ أي ويكون دين كل شخص خالصا لله، لا يخشى غيره، ولا يصدّ عنه، ولا يحتاج إلى محاباة أو استخفاء. والدين: يشمل الاعتقاد والعبادة والعمل الصالح.
﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن الشرك. ﴿فَلا عُدْوانَ﴾ أي لا تتعدوا عليهم بقتل أو غيره. ﴿إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ أي المتجاوزين حدودهم المعتدين على غيرهم، فمن انتهى عن الشرك والاعتداء فليس بظالم، فلا عدوان عليه.
﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ﴾ ردّ على استعظام القتال في الأشهر الحرم، إذ هتك حرمة الشهر الحرام من المسلمين مقابل هتك حرمة الشهر الحرام من الكفار.
﴿وَالْحُرُماتُ﴾ جمع حرمة: وهي ما يجب احترامه. ﴿قِصاصٌ﴾ أي يقتص بمثلها إذا انتهكت. ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ بالقتال في الحرم أو الإحرام، أو الشهر الحرام. ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ.﴾. سمّى مقابلة الاعتداء اعتداء، لشبهها بالمقابل به في الصورة. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في الانتصار، وترك الاعتداء. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ بالعون والنصر.
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي في طاعته بالجهاد وغيره. ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ أي أنفسكم.
﴿إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ الهلاك بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو تركه، لأنه يقوي العدو عليكم.
﴿وَأَحْسِنُوا﴾ بالنفقة وغيرها. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي يثيبهم.
قال ابن عباس فيما أخرجه الواحدي: نزلت هذه الآيات في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله ﷺ لما صدّ عن البيت هو وأصحابه، نحر الهدي بالحديبية، ثم صالحه المشركون على أن يرجع عامه، ثم يأتي القابل، على أن يخلوا له مكة ثلاثة أيام، فيطوف بالبيت ويفعل ما شاء. وصالحهم رسول الله ﷺ، فلما كان العام المقبل، تجهّز رسول الله ﷺ وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدّوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام في الحرم، فأنزل الله: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ يعني قريشا.
قال قتادة فيما أخرجه الطبري: أقبل نبيّ الله ﷺ وأصحابه في ذي القعدة، حتى إذا كانوا بالحديبية، صدّهم المشركون، فلما كان العام المقبل دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القعدة،