أبو صخر، عن القرظي [محمد بن كعب] [¬١] أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: كان القوم في سبيل الله فيتزود الرجل، فكان أفضل زادًا من الآخر، [أنفق البائس من زاده] [¬٢] حتى لا يبقى من زاده شيء، أحب أن يواسي صاحبه، فأنزل الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
وبه قال ابن وهب أيضًا (¬١٠٩٠): أخبرني عبد الله بن عياش [¬٣]، عن زيد بن أسلم في قول الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وذلك أن رجالًا كانوا بخرجون في بعوث بعثها رسول الله ﷺ بغير نفقة، فإمّا أن يقطع بهم، وإما كانوا عيالًا [¬٤]، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله، ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع والعطش أو من المشي. وقيل لمن بيده فضل: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
ومضمون الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوّهم، والإخبار عن ترك فعل [¬٥] ذلك بأنه هلاك ودمار لمن [¬٦] لزمه واعتاده، ثم عطف بالأمر بالإحسان وهو أَعلى مقامات الطاعة فقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
لما ذكر تعالى أحكام الصيام وعطف بذكر الجهاد شرع في بيان المناسك، فأمر بإتمام الحج والعمرة، وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما؛ ولهذا قال بعده: ﴿فَإِنْ
أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: صددتم عن الوصول إلى البيت ومنعتم من إتمامهما؛ ولهذا اتفق العلماء على أن الشروع في الحج والعمرة ملزم سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها، كما هما قولان للعلماء، وقد ذكرناهما بدلائلهما في كتاب [¬١] الأحكام مستقصى، ولله الحمد والمنة.
وقال شعبة: عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة [¬٢]، عن علي أنه قال في هذه الآية ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ قال: [أن تحرم] [¬٣] من دويرة أهلك.
وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس.
وعن سفيان الثوري أنه قال [في هذه الآية: إتمامهما] [¬٤] أن تحرم من أهلك لا تريد إلا الحج والعمرة، وتهل من الميقات ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبًا من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت، وذلك يجزئ، ولكن التمام أن تخرج له ولا تخرج لغيره.
وقال مكحول: إتمامهما إنشاؤهما جميعًا من الميقات.
وقال عبد الرزاق (¬١٠٩١): أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: بلغنا أن عمر قال في قول الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾: من تمامهما [¬٥] أن تفرد [كل واحد] [¬٦] منهما من الآخر، وأن تعتمر [¬٧] في غير أشهر الحج، إن الله تعالى يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
وقال هشيم، عن ابن عون، قال [¬٨]: سمعت القاسم بن محمد يقول: أن العمرة في أشهر الحج ليست بتامّة، فقيل له [فالعمرة في المحرّم] [¬٩] قال: كانوا يرونها تامّة، وكذا روي عن قتادة بن دعامة رحمهما الله.
وهذا القول فيه نظر، لأنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة: [عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة] [¬١٠] سنة سبع، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معًا في
في القعدة سنة عشر، وما [¬١] اعتمر قط في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأمّ هانئ [¬٢]. "عمرة في رمضان تعدل حجة معي" (¬١٠٩٢). وما ذاك إلا لأنها قد عزمت على الحج معه ﵇ فاعتاقت عن ذلك بسبب الظهر [¬٣]، كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري، ونص سعيد بن جبير على أنه من خصائصها؛ والله أعلم.
وقال السدي في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ أي: أقيموا الحج والعمرة.
وقال علي بن أبي [¬٤] طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ يقول من أحرم [بحج أو بعمرة] [¬٥] فليس له أن يحل حتى يتمهما، تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة [وطاف بالبيت] [¬٦] وبالصفا والمروة فقد حل.
وقال قتادة: عن زرارة، عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفة، والعمرة الطواف. وكذا روى الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ قال: هي قراءة عبد الله: (وأقيموا [¬٧] الحج والعمرة [¬٨] إلى البيت) لا تجاوز بالعمرة البيت. قال إبراهيم: فذكرت