التهلكة مصدر. ومثله ما حكاه سيبويه من قولهم التضرة والتسرة ونحوها في الأعيان: التنضبة والتنفلة. ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة كالتجربة والتبصرة ونحوهما، على أنها مصدر من هلك فأبدلت من الكسرة ضمة، كما جاء الجوار في الجوار.
جعل الوقوف عليها كبعض مناسك الحج الذي لا يتم إلا به. وقيل: إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك، روى ذلك عن علىّ وابن عباس وابن مسعود رضى اللَّه عنهم. وقيل: أن تفرد لكل واحد منها سفراً كما قال محمد: حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل. وقيل: أن تكون النفقة حلالا. وقيل: أن تخلصوهما للعبادة ولا تشوبوهما بشيء من التجارة والأغراض الدنيوية.
فإن قلت: هل فيه دليل على وجوب العمرة؟ قلت: ما هو إلا أمر بإتمامهما، ولا دليل في ذلك على كونهما واجبين أو تطوّعين، فقد يؤمر بإتمام الواجب والتطوع جميعا، إلا أن تقول:
الأمر بإتمامهما أمر بأدائهما، بدليل قراءة من قرأ: وأقيموا الحج والعمرة. والأمر للوجوب في أصله، إلا أن يدلّ دليل على خلاف الوجوب، كما دلّ في قوله: (فَاصْطادُوا) ، (فَانْتَشِرُوا)
ونحو ذلك، فيقال لك: فقد دلّ الدليل على نفى الوجوب، وهو ما روى أنه قيل: يا رسول اللَّه: العمرة واجبة مثل الحج؟ قال: «لا، ولكن أن تعتمر خير لك» «١» وعنه «الحج جهاد والعمرة تطوّع» «٢» . فإن قلت: فقد روى عن ابن عباس رضى اللَّه عنه أنه قال: إن العمرة لقرينة الحج «٣» . وعن عمر رضى اللَّه عنه أنّ رجلا قال له: إنى وجدت الحجّ والعمرة مكتوبين علىّ، أهللت بهما جميعاً فقال: «هديت لسنة نبيك» «٤» وقد نظمت مع الحج في الأمر بالإتمام فكانت واجبة مثل الحج؟ قلت: كونها قرينة للحج أنّ القارن يقرن بينهما، وأنهما يقترنان في الذكر فيقال: حجّ فلان واعتمر والحجاج والعمار، ولأنها الحجّ الأصغر، ولا دليل في ذلك على كونها قرينة له في الوجوب. وأمّا حديث عمر رضى اللَّه عنه فقد فسر الرجل كونهما مكتوبين عليه بقوله: أهللت بهما، وإذا أهلّ بالعمرة وجبت عليه كما إذا كبر بالتطوّع من الصلاة. والدليل الذي ذكرناه أخرج العمرة من صفة الوجوب فبقى الحجّ وحده فيها، فهما بمنزلة قولك: صم شهر رمضان وستة من شوّال، في أنك تأمره بفرض وتطوّع. وقرأ علىّ وابن مسعود والشعبي رضى اللَّه عنهم (والعمرة للَّه) بالرفع، كأنهم قصدوا بذلك إخراجها عن حكم الحجّ وهو الوجوب فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ يقال: أُحصر فلان، إذا منعه أمر من خوف أو مرض أو عجز. قال اللَّه تعالى (الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . وقال ابن ميادة:
وحُصر: إذا حبسه عدوّ عن المضىّ، أو سجن. ومنه قيل للمحبس: الحصير. وللملك، الحصير، لأنه محجوب. هذا هو الأكثر في كلامهم، وهما بمعنى المنع في كل شيء، مثل صدّه وأصدّه. وكذلك قال الفرّاء وأبو عمرو الشيباني، وعليه قول أبى حنيفة رحمهم اللَّه تعالى، كل منع عنده من عدوّ كان أو مرض أو غيرهما معتبر في إثبات حكم الإحصار. وعند مالك والشافعي منع العدوّ وحده.
وعن النبىّ ﷺ: «من كسر أو عرج فقد حلّ وعليه الحج من قابل» «١» فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فما تيسر منه. يقال: يسر الأمر واستيسر، كما يقال: صعب واستصعب.
والهدى جمع هدية، كما يقال في جدية السرج «٢» جدي. وقرئ (من الهدىّ) بالتشديد جمع هدية كمطية ومطىّ. يعنى فإن منعتم من المضي إلى البيت وأنتم محرمون بحج أو عمرة، فعليكم إذا أردتم التحلل ما استيسر من الهدى من بعير أو بقرة أو شاة، فإن قلت: أين ومتى ينحر هدى المحصر؟
قلت: إن كان حاجا فبالحرم متى شاء عند أبى حنيفة يبعث به، ويجعل للمبعوث على يده يوم أمار «٣» وعندهما في أيام النحر وإن كان معتمراً فبالحرم في كل وقت عندهم جميعاً. و «ما استيسر» رفع بالابتداء، أى فعليه ما استيسر. أو نصب على: فاهدوا ما استيسر وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ الخطاب للمحصرين: أى لا تحلوا حتى تعلموا أنّ الهدى الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ مَحِلَّهُ أى مكانه الذي يجب نحره فيه. ومحل الدين وقت وجوب قضائه، وهو ظاهر على مذهب أبى حنيفة ﵀. فإن قلت: إنّ النبىّ ﵌ نحر هديه حيث أحصر «٤» ؟ قلت:
كان محصره طرف الحديبية الذي إلى أسفل مكة وهو من الحرم، وعن الزهري أنّ رسول اللَّه ﷺ نحر هديه في الحرم. وقال الواقدي: الحديبية هي طرف الحرم على تسعة أميال