عليكم، ويؤيِّده ما رُوي عن أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ ﵁: نحن أعلمُ بهذه الآية فإنها نزلت فينا حين رجعنا إلى إصلاح الأموال وتركْنا القتالَ بعدما فشا الإسلامُ وكثرَ أهلُه (¬١).
والهلاك: انتهاءُ الشيء في الفساد، وله (¬٢) سُمي الموت هلاكًا.
عن أبي عبيدةَ: التهلُكة والهلاك والهُلْك واحدٌ (¬٣).
والإلقاء: إطلاق الشيء إلى جهةِ السُّفْل، ونقيضه الإمساكُ، وتعديتُه بـ (إلى) لِمَا فيه من معنى الانتهاءِ، والمراد بالأيدي: الأَنفُسُ، فإن اليد يعبَّر بها عن النَّفْس (¬٤)، كما في قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ والباءُ مزيدةٌ.
﴿وَأَحْسِنُوا﴾ أعمالَكم وأخلاقَكم، أو (¬٥) تفضَّلوا على المحاويج.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يريد بهم الخير.
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ إنما قال فيهما: (أتمُّوا) كما في الصوم دون: (أَقيموا) كما في الصلاة؛ تنبيهًا على أنهما يَجبَان بالنية كالصوم، فيلزمُ إتمامُهما بعد النية كما يلزمُ إتمامُ الصوم بعدها (¬١)، بخلافِ الصلاة فإنها لا تجبُ بالنية، فلا يلزمُ إتمامُها بعدها، بل يجوز أن تُترك، ومن هنا اتَّضح وجهُ تخصيص هذه الثلاثة من بين العبادات بالأمر بالإتمام.
ومَن لم يَتنبَّهْ لهذه الدقيقةِ الأنيقة قال في تفسيره: ائتُوا بهما تامَّين مستجمعَي (¬٢) المناسك، فدلالتُه على أنَّ مَن شَرَع فيهما لزمَه (¬٣) إتمامُهما من جهة الأركان والشرائط، وبه نقول: إن العمرة تجب بالشروع، وكذا الحجُّ مطلقًا إنما يجبُ به، فلا متمسَّكَ فيها لمن قال بوجوب العمرة، وقراءةُ: (وأَقيموا الحجَّ والعمرة) (¬٤) شاذةٌ فلا تصلُح حجَّةً.
وما رَوَى جابر ﵁ أنه قيل: يا رسول اللّه! العمرةُ واجبةٌ مثلَ الحج؟ فقال: "لا، ولكن أن تعتمِروا خيرٌ لكم" (¬٥) نصٌّ في هذا الباب.
ولا يعارضُه ما رُوي: أن رجلًا قال لعمرَ ﵁: إنِّي وجدتُ الحجَّ والعمرة مكتوبَينِ عليَّ، أهلَلْتُ بهما جميعًا. فقال: هُديتَ لسنةِ نبيِّكَ (¬٦).
لأنَّ الأثر لا يعارضُ الخبر، على أنه ليس في كلامه ترتيبُ الإهلال على الوجدان، بل الظاهر منه بيانُ سبب الوجدان على سبيل الاستئناف.
﴿لِلَّهِ﴾: لوجه الله تعالى، عن عليٍّ وابنِ عباسٍ وابنِ مسعودٍ ﵃: أن تُحرم بهما من دُوَيرةِ أهلِكَ (¬١).
وقيل: أن يُفرِد لكلٍّ منهما سفرًا.
وقيل: أن تُخلِصوهما للعبادة ولا تَشُوبوهما بشيء من التجارة والأغراض الدنيويَّة (¬٢).
وقرئ: (والعمرةُ لله) على الابتداء (¬٣).
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾؛ أي: مُنعتم، يقال: أُحصِرَ فلان، إذا مَنعه أمرٌ من خوفٍ أو مرضٍ أو عجزٍ، قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقال ابن ميَّادةَ:
وما هَجْرُ ليلى أنْ تكونَ تَباعَدَتْ … عليكَ ولا إنْ أَحْصَرَتْكَ شُغُولُ (¬٤)