هذا والحاج عن غيره عند الشافعي لا يجوز حتّى يكون قد قضى الحج عن نفسه أولا، وعند غيره يجوز أن يحجّ عن غيره، ولو لم يكن قد أدى فرضه، وقالوا: كلّ من لم يراع مصالحه في الدنيا يصحّ أن ينوب عن غيره في مثلها، فتتم لغيره، وإن لم تتم له لنفسه، ويزوّج غيره، وإن لم يزوّج نفسه؛ أي: وإن كان غير متزوّج.
الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. والكاف حرف خطاب. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿نَصِيبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر ﴿أُولئِكَ﴾ فيكون: ﴿نَصِيبٌ﴾ فاعلا بمتعلق الجار والمجرور، التقدير: أولئك ثابت لهم نصيب. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿نَصِيبٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿كَسَبُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء كسبوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير:
نصيب من كسبهم، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. (الله): مبتدأ.
﴿سَرِيعُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْحِسابِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها؛ إذ التقدير: سريع حسابه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.
الشرح: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ:﴾ بالتكبير مع قطع التلبية. ﴿فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٨٤]. والمراد: التكبير في أدبار الصلوات، وعند ذبح القرابين، وعند رمي الجمار، وغيرها في أيام التشريق، وهي الأيام التي تلي يوم الأضحى، ويبدأ التكبير عقب الصلوات من صبح يوم عرفة، وينتهي بعد صلاة العصر في اليوم الثالث من أيام التّشريق عند الشّافعيّ، وعليه العمل في هذه الأيام. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٢٨]: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ فأيام الرّمي معدودات، وأيام النّحر معلومات، وروى نافع عن ابن عمر-﵄: أنّ الأيام المعدودات، والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام، يوم النحر، وثلاثة أيام بعده، فيوم النحر معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان، واليوم الرابع معدود لا معلوم، وإنّما كان كذلك؛ لأنّ الأول ليس من الأيام التي تختص بمنى، والأضحية جائزة في يوم النّحر العيد، وثلاثة بعده، وهذه الأيام لا يجوز صومها لقول الرّسول ﷺ: «أيّام التّشريق أيّام أكل، وشرب، وذكر لله» أخرجه مسلم، وأحمد، رحمهما الله تعالى.
﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي: نفر من منى إلى مكّة في اليوم الثاني من أيام التشريق. ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ:﴾ فلا مؤاخذة عليه بشرط أن ينفر قبل الغروب، ويرمي فيه بعد الزوال عند الأئمة الثلاثة، إلا أبا حنيفة فإنّه يجيز الرّمي قبل الزوال، بخلاف الرمي يوم العيد، فإنّه يدخل وقته بنصف ليلة النّحر. ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: تأخر في الخروج من منى إلى اليوم الثالث من أيام التشريق؛ فلا حرج، ولا جناح عليه. وينبغي أن تعلم: أن المبيت بالمزدلفة، وبمنى، والرّمي في يوم العيد، وفي اليوم الثاني بعده، والثالث: وهو الثاني من أيام التّشريق واجب، فمن ترك شيئا من ذلك فعليه دم، انظر ما ذكرته في الدّماء في الآية رقم [١٩٦]. ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ الله في حجّه بأن قام بشرطه، وأركانه، وواجباته، وآدابه.
﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ؛ أي: خافوا الله، وأيقنوا: أنكم مجموعون إليه للحساب، والجزاء، فيجازيكم بأعمالكم، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. هذا؛ وأصل: (﴿اِتَّقى﴾) و (﴿اِتَّقُوا﴾) اوتقى، واوتقوا، فقلبت الواو تاء، وأدغمت التاء بالتاء.
تنبيه: يكثر النهي في القرآن الكريم عن العجلة، واستعجال الشيء قبل أوانه، وهذا النهي أكثر ما يوجّه للكافرين الذين طلبوا استعجال العذاب، وقد يوجه إلى بني آدم جميعا، وقد توجّه إلى النبيّ ﷺ في سورة (طه) رقم [١١٤] وفي سورة (القيامة) أيضا. بينما حث الله تعالى على المسارعة إلى فعل الطاعات، فقال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٣٣]: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال جل ذكره في سورة (الحديد) رقم [٢١]: ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ كما وصف أنبياءه، ورسله بأنهم ﴿كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ في الآية رقم [٩٠] من سورة (الأنبياء) وهذا لا يناقض ما ورد: «العجلة من الشّيطان، والتّأنّي من الرّحمن». وقال الشاعر: [البسيط]
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته... وقد يكون مع المستعجل الزّلل
لأن المسارعة إلى الطّاعات مستثناة من ذلك، كما أنّ هناك أمورا تسن المبادرة إلى فعلها كأداء الصلاة المكتوبة إذا دخل وقتها، وقضاء الدين بحق الموسر، وتزويج البكر البالغ إذا أتى الكفؤ، ودفن الميت، وإكرام الضيف إذا نزل. وخذ ما يلي: فعن عليّ-﵁، وكرّم الله وجهه-قال: قال رسول الله ﷺ: «يا عليّ! ثلاث لا تؤخّرها: الصّلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت كفؤا». أخرجه الترمذي، وجاء في الشّعر العربي الحثّ على العجلة، قال بشار بن برد الأعمى: [البسيط]
من راقب النّاس لم يظفر بحاجته... وفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج
وربّما فات قوما جلّ أمرهم... من التّأنّي وكان الجزم لو عجلوا
ف «لو» مصدرية، والتقدير، وكان الحزم تعجيلهم. وقال آخر: [البسيط]
وربّما ضرّ بعض النّاس بطؤهم... وكان خيرا لهم لو أنّهم عجلوا
الإعراب: (﴿اُذْكُرُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿فِي أَيّامٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَعْدُوداتٍ:﴾ صفة ﴿أَيّامٍ﴾. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَعَجَّلَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فِي يَوْمَيْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ».
﴿إِثْمَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا) والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرت مرارا، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ:﴾ في محل رفع خبرها، وزيدت الفاء في خبرها؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم.
﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ:﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق، ومتعلق الفعل: ﴿تَأَخَّرَ﴾ محذوف لدلالة المقام عليه، وانظر الشرح. ﴿لِمَنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الذي ذكر من التأخير، أو من الأحكام لمن اتقى. وقدّر مكي رحمه الله تعالى: المغفرة لمن اتقى المحرّمات. وقيل: تقديره: الإباحة في التأخير، والتعجيل لمن اتقى. و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة.
﴿اِتَّقى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (من) والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها، والجملة الاسمية التي رأيت تقديرها في محل نصب حال مؤكدة لمضمون الكلام السابق برمّته.
﴿وَاتَّقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله،