(هدى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾
مفعول به. ﴿آمَنُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لِمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (هدى)، (﴿وَمَا﴾) تحتمل الموصولة، والموصوفة، وجملة: ﴿اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ صلة (ما) أو صفتها. ﴿مِنَ الْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور ب (في) العائد بدوره على (﴿مَا﴾)، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها.
﴿بِإِذْنِهِ:﴾ متعلقان بالفعل: (هدى) أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ التقدير:
مأذونا لهم، وجملة: ﴿فَهَدَى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، والاستئناف ممكن.
﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، والاستئناف ممكن. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به.
﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يهدي الذي أو شخصا يشاؤه. ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَهْدِي﴾. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة ﴿صِراطٍ﴾.
الشرح: ﴿أَمْ:﴾ منقطعة هنا. انظر مبحثها في كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿حَسِبْتُمْ:﴾
ظننتم، فهو من باب: تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون السين في المضارع مع الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين، وكسرها من البابين: الرّابع، والسادس. والمصدر: الحسبان بكسر الحاء، وحسبت المال حسبا من باب:
قتل، بمعنى: أحصيته عددا. ﴿وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ،﴾ أي: ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به من كان قبلكم، فتصبروا كما صبروا، أو المعنى: ولما يصبكم مثل الذين أصاب الذين من قبلكم من البلاء، قال تعالى في أول سورة (العنكبوت): ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ:﴾ انظر شرح هذه الآيات هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿مَسَّتْهُمُ:﴾ أصابتهم. ﴿الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ:﴾ انظر الآية رقم [١٦٧]. ﴿وَزُلْزِلُوا:﴾ خوّفوا من الأعداء تخويفا شديدا، وامتحنوا امتحانا عظيما، كما جاء في الحديث عن خبّاب بن الأرت
-﵁-قال: قلنا: يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرّجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشقّ باثنتين وما يصدّه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم، أو عصب، وما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمّنّ هذا الأمر، حتى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذّئب على غنمه، ولكنّكم تستعجلون». رواه البخاري [٣٦١٢].
﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ﴾ أي: بلغ بهم الضجر، ولم يبق لهم صبر؛ حتى قالوا ذلك. ومعناه: طلب الصبر، وتمنيه، واستطالة زمان الشدة، بحيث تقطّعت حبال الصّبر عندهم، وفي هذه الغاية دليل على تناهي الأمر في الشدّة، وتماديه في العظم؛ لأنّ الرسل لا يقادر قدر ثباتهم، واصطبارهم، وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتّى ضجوا؛ كان ذلك الغاية في الشدّة؛ التي لا مطمع وراءها.
﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ:﴾ هذا جواب من الله تعالى، ووعد لهم بالنصر، وفي ضمنه كلام آخر، التقدير: فاصبروا، كما صبروا؛ تظفروا بالنّصر، كما ظفروا. هذا؛ وقرئ: ﴿حَتّى يَقُولَ﴾ بالنصب على إضمار «أن» ومعنى الاستقبال؛ لأنّ «أن» تصرف الفعل المضارع له. وقرئ بالرّفع على أنه بمعنى الحال، كقولك: شربت الإبل حتى يجيء البعير بطنه، إلا أنها حال ماضية محكية. وانظر مبحث «حتّى» في كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
تنبيه: قال قتادة، والسّدي، وأكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصابهم من الجهد والشدّة، والحرّ، والبرد، وسوء العيش، وأنواع الشدائد، وكان كما قال الله تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ،﴾ وقيل: نزلت في حرب (أحد) نظير هذه الآية قوله تعالى في سورة (آل عمران): ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ رقم [١٤٢].
وقالت جماعة أخرى: نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم، وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله ﷺ، وأسرّ قوم من الأغنياء النفاق، فأنزل الله الآية الكريمة تطييبا لقلوبهم، وتفريجا لهمومهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى «بل». ﴿حَسِبْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَدْخُلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع: ﴿تَدْخُلُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿حَسِبْتُمْ﴾ والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٨]. ﴿وَلَمّا:﴾ الواو:
واو الحال. (لمّا): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَأْتِكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لمّا) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والكاف مفعول به.
﴿مَثَلُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة ﴿خَلَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله. وقدّر الجلال، والجمل محذوفا بين المتضايفين، فالجلال قدّر: مثل ما أتى الّذين. والجمل قدّر: مثل محنة المؤمنين الّذين. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصولة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَلَمّا يَأْتِكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿مَسَّتْهُمُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْبَأْساءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها، وجوز اعتبارها مستأنفة. ﴿وَالضَّرّاءُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَزُلْزِلُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿حَتّى:﴾
حرف غاية، وجر. ﴿يَقُولَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿الرَّسُولُ:﴾
فاعله. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلته.
﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل (﴿زُلْزِلُوا﴾) وعلى قراءة الفعل بالرّفع؛ فالجملة معطوفة على ما قبلها عطفا.
﴿مَتى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزّمانية متعلق بمحذوف خبر مقدّم. ﴿نَصْرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَلا:﴾ حرف استفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿نَصْرُ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿قَرِيبٌ:﴾ خبر: ﴿أَنْ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ أي: قيل لهم ذلك، والقائل هو الله تعالى؛ الذي لا يخلف وعده. والقول، ومقوله كلام مستأنف لا محل له. وقال أبو البقاء-﵀:
هو من مقول الرّسول. والأول أقوى.
هذا؛ والجملة الاسمية فيها عدّة مؤكدات، تدل على تحقّق النصر: أولا: بدء الجملة بأداة الاستفتاح: ﴿أَلا﴾ التي تفيد التأكيد. ثانيا: ذكر ﴿أَنْ﴾ الدّالة على التوكيد أيضا. ثالثا: إيثار الجملة الاسمية على الفعلية، فلم يقل: «ستنصرون». والتعبير بالجملة الاسمية يفيد التأكيد.
رابعا: إضافة النّصر لله ربّ العالمين القادر على كلّ شيء.