رزق الدّنيا؛ فإنّه مضبوط محصور، ورزق الآخرة لا ينتهي عدده، ولا ينقطع مدده، صاف عن كدّ الاكتساب، وخوف الحساب، لا منّة فيه، ولا عذاب.
الإعراب: ﴿زُيِّنَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.
وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿الْحَياةُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة الحياة مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَيَسْخَرُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَسْخَرُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها هذا، ويجوز تقدير مبتدأ قبلها، وهي خبره، أي: وهم يسخرون... إلخ، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠٤]. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية بعد الموصول صلته، والمتعلّق محذوف.
﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اِتَّقَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، تقديره: اتقوا الله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فَوْقَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالخبر المحذوف، و ﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ، ﴿يَرْزُقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير، رزقا واسعا، ونحوه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وهو أولى من العطف على ما قبلها، والحالية ضعيفة، ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنَ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:
يشاؤه ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (غير): مضاف، و ﴿حِسابٍ:﴾ مضاف إليه.
الشرح: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: كان الناس متفقين على الحقّ. قال ابن جرير: عن ابن عباس-﵄-قال: كان بين آدم، ونوح-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام
-عشرة قرون، كلّهم على شريعة من الحقّ، فاختلفوا. ودلّ على هذه الجملة لدلالة قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. وانظر شرح أمّة في الآية رقم [١٢٨]، والإمة بكسر الهمزة: النعمة؛ لأنّ الناس يقصدون قصدها. ﴿فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ:﴾ انظر الآية رقم [٦١]. ﴿مُبَشِّرِينَ:﴾ للمؤمنين بالجنّة، وحسن المآل. (﴿مُنْذِرِينَ﴾): مخوفين للكافرين، والعاصين بالنّار، وسوء الحساب.
﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ﴾ المراد به الجنس، لا المراد: أنّ الله تعالى أنزل بكلّ واحد منهم كتابا يخصّه، فإن أكثرهم لم يكن معهم كتاب يخصّهم، وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم. انتهى بيضاوي، وذلك كما في أنبياء بني إسرائيل، فإنّ جميعهم كان يحكم بالتوراة؛ حتّى بعث عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، بل وحتى عيسى كان يحكم بالتّوراة؛ لأن الإنجيل الّذي أنزل عليه، لم يكن فيه سوى بعض الأحكام المغيّرة لأحكام التوراة.
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ يحتمل رجوع الفاعل إلى ﴿اللهُ﴾ أو النبيّ المبعوث، أو كتابه، ويؤيد الأول قراءة الجحدري: («لنحكم») بنون العظمة. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أي: في الحقّ، أو في الكتاب. ﴿أُوتُوهُ﴾ أي: الكتاب حيث آمن به بعض، وكفر به بعض آخر. ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ:﴾ المعجزات الظاهرات، والحجج السّاطعات على التوحيد. ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ حسدا بينهم أو ظلما، وعدوانا لحرصهم على الدنيا، ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ ثبّتهم الله على الحق ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ:﴾ بأمره، وتوفيقه. ﴿وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ ففي هذه الآية ردّ على المعتزلة بقولهم: إنّ العبد يخلق أفعال نفسه، ويستبدّ بهدايته إلى ما يشاء، ويريد.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال النبي ﷺ: «نحن الآخرون الأوّلون يوم القيامة، نحن أوّل النّاس دخولا الجنّة، بيد أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحقّ بإذنه، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فغدا لليهود، وبعد غد للنّصارى». المراد باليوم الذي اختلفوا فيه: يوم الجمعة.
وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه-﵁: اختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السّبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمّة محمد ﷺ ليوم الجمعة.
واختلفوا في الصّلاة، فمنهم من يركع، ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلّي؛ وهو يتكلم، ومنهم من يصلي؛ وهو يمشي، فهدى الله أمّة محمد ﷺ للحقّ من ذلك.
واختلفوا في إبراهيم، ﵊، فقالت اليهود: كان يهوديّا، وقالت النّصارى: كان نصرانيّا، وجعله الله حنيفا مسلما، فهدى الله أمّة محمد ﷺ للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى ﵇، فكذبت به اليهود، وقالوا لأمه بهتانا عظيما، وجعلته النصارى إلها وولدا، وجعله الله روحه، وكلمته، فهدى الله أمّة محمد ﷺ للحقّ من ذلك. وكان أبو العالية-﵀ يقول: في هذه الآية المخرج من الشّبهات، والضّلالات، والفتن.
وفي صحيح البخاري، ومسلم عن عائشة-﵂: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: «اللهمّ ربّ جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».
الإعراب: ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿النّاسُ:﴾ اسمها. ﴿أُمَّةً:﴾ خبرها. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة لها، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَبَعَثَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. وهناك جملة مقدرة قبلها، التقدير: فاختلفوا، فبعث. ﴿النَّبِيِّينَ:﴾
مفعول به. ﴿مُبَشِّرِينَ:﴾ حال من النبيين. ﴿وَمُنْذِرِينَ:﴾ معطوف عليه، وعلامة النصب في الثلاثة الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنها جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. (﴿أَنْزَلَ﴾):
فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿مَعَهُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابَ﴾ أي: ملتبسا بالحق، وجملة: ﴿وَأَنْزَلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وقال أبو البقاء-رحمه الله تعالى-: هي في محل نصب حال، وهذا يحتاج إلى تقدير «قد» قبلها، لتقربها من الحال. ﴿لِيَحْكُمَ:﴾ مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: هو، انظر الشرح، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أنزل)، ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿النّاسُ﴾ مضاف إليه. ﴿فِيمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (يحكم) أيضا، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ ب (في).
﴿وَمَا:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿اِخْتَلَفَ:﴾ فعل ماض. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب (في) والرابط:
الواو، والضمير، والاستئناف ممكن. ﴿أُوتُوهُ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والهاء مفعوله الثاني، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿اِخْتَلَفَ:﴾﴿مَا:﴾ مصدرية. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْبَيِّناتُ:﴾ فاعله، و ﴿مَا﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه؛ التقدير: من بعد مجيء البينات. ﴿بَغْياً:﴾ مفعول لأجله، وقيل: حال، ولا وجه له. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿بَغْياً﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة.