﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، أي: الذين اتَّقَوا الدنيا واختاروا الفقر من المؤمنين هم أهل الزُّلفى والكرامة عند الله تعالى، وُضعوا (¬١) موضع الذين آمنوا لأنهم يسخرون منهم دون الأغنياء؛ تنبيهًا على أنهم أهل السعادة الكبرى عند الله تعالى، وتحريضًا للمؤمنين على التقوى.
﴿فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ لأنهم كانوا في درجات الجنة وهم في دركات النار، فينادونهم: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠].
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: في الدنيا؛ لأن مَساق الكلام فيه.
﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بغير تقديرٍ، أو (¬٢) يوسِّع بحسَب الحكمة والمشيئة التابعةِ له على عباده، فمنهم مَن تكون التوسِعةُ عليه استدراجاً كهؤلاء الكفرة وقارونَ وأحزابهم، ومنهم مَن تكون التوسعةُ عليه كرامةً له كأغنياء المؤمنين (¬٣) وسليمانَ وداودَ ﵉ وأمثالِهم.
قال القرطبي: وفيه نظر؛ لأن إدريس ﵇ بعد نوحٍ ﵇ على الصحيح (¬١).
وقيل: هم نوحٌ ومَن معه في السفينة.
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾؛ أي: فاختلفوا فبعث الله، فحُذف لدلالة قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ عليه، وفي قراءة عبد الله: (فاختلفوا فبعث اللهُ) (¬٢)، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩]، ولمَّا كان سببُ البعثة الاختلافَ لم يَبْقَ احتمالٌ لأنْ يكون المراد من الأمَّة المذكورة المتَّفقينَ على الجهالة والكفر.
﴿مُبَشِّرِينَ﴾ مَن أطاع.
﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ مَن عَصَى.
﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: الكتب، واسمُ الجنس يَصلح للجميع، و ﴿مَعَهُمُ﴾ حالٌ مقدَّرةٌ من ﴿الْكِتَابَ﴾ فيتعلَّق بمحذوفٍ، وليس منصوبًا بـ (أنزَلَ)، ولا يريد به أنه أُنزل مع كلِّ واحد منهم كتابٌ يخصُّه، لا لأن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصُّهم، بل كانوا يأخذون بكتبِ مَن قبلهم؛ لأن المعنى حينئذ: مع كل واحدٍ من الذين لهم كتاب، وعموم ﴿النَّبِيِّينَ﴾ لا ينافي خصوصَ الضمير العائد إليه بمعونة القرينة= بل
لأنَّ بعض الكتاب المخصوصِ لمن معه لا يشمل الأحكام كالزبور، فلا يصلح ما ذُكر بقوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ غايةً له.
﴿الْحَقِّ﴾ حالٌ من ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: مُلْتبِسًا بالحق.
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾؛ أي: النبيُّ الذي معه الكتابُ.
﴿فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ من أمر الدين.
﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أي: الكتابِ المنزَل لإزالة الاختلاف، ومعناه: زاد اختلافهم بسبب الكتاب حتى كان الاختلافُ الأولُ بالنسبة إليه كلَا اختلافٍ، أو ما (¬١) كان الاختلاف إلا الذي حدث بعده كأن الاختلاف الموجب لنزول الكتاب اتفاقٌ (¬٢) في جنبه لشدة عنادهم.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: الدلائلُ الشاهدةُ على حقيقة الدِّين المتَّفَق عليه.
﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ وحسدًا وقلةَ إنصافٍ منهم؛ لحرصهم (¬٣) على الدنيا وتهالكهم.
﴿فَهَدَى اللَّهُ﴾ بسبب تلك البينات ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ منهم ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾ بيانٌ لِما اختلفوا فيه (¬٤).
﴿بِإِذْنِهِ﴾ بتيسيره وتوفيقه إياهم.
﴿وَاللَّهُ يَهْدِي﴾ دون غيره ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من أهل العناية بمقتضى الحكمة.