الحاجة إلى الرسل وما يلاقونه مع المؤمنين في دعوتهم
﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اِخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾
الإعراب:
﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ نصب على الحال.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾: ﴿أَمْ﴾ تكون متصلة ومنقطعة، فالمتصلة: لا تكون إلا بعد الاستفهام بالهمزة، والمراد بها تعيين المسؤول عنه بمنزلة (أي) نحو: أزيد عندك أم عمرو؟ أي أيهما عندك.
والمنقطعة: بمنزلة «بل» والهمزة، وهي تقع بعد الاستفهام والخبر، وأم هاهنا منقطعة. و ﴿أَنْ تَدْخُلُوا﴾ في موضع المفعولين. ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ الفعل منصوب بأن مضمرة بعد حتى، وتقديره: حتى أن يقول، وحتى: هاهنا غاية، بمعنى: «إلى أن» فجعل قول الرسول غاية لخوف أصحابه. و ﴿حَتّى﴾ لا ينتصب الفعل بعدها إلا إذا كان بمعنى الاستقبال. فأما إذا كان بمعنى الماضي أو الحال، فلا ينتصب بعدها بتقدير (أن) لأن (أن) تخلصه للاستقبال.
Juz 2, halaman 243 ›
البلاغة:
﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ فيه إيجاز بالحذف أي كانوا على ملة واحدة وهي الإيمان والتمسك بالحق، فاختلفوا، بأن آمن بعض وكفر بعض.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ استفهام إنكاري، وأم هنا منقطعة بمعنى: بل أحسبتم.
﴿وَلَمّا يَأْتِكُمْ﴾: لما: تدل على النفي مع توقع وقوع المنفي.
﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ فيها أربعة تأكيدات، وهي «ألا» أداة الاستفتاح، وإنّ، والجملة الاسمية، وإضافة النصر إلى الله القادر على كل شيء.
المفردات اللغوية:
﴿أُمَّةً﴾ ورد لفظ الأمة في القرآن بعدة معان:
١ - الجماعة: الذين يرتبطون برابطة واحدة، مثل قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف ١٨١/ ٧] وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران ١١٠/ ٣].
٢ - الملة: أي العقائد وأصول النشريع، مثل قوله: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الأنبياء ٩٢/ ٢١ والمؤمنون ٥٢/ ٢٣].
٣ - الزمن: مثل قوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود ٨/ ١١] وقوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥/ ١٢].
٤ - الإمام: مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ [النحل ١٢٠/ ١٦] أي رجلا جامعا للخير.
والمراد بها هنا في رأي كثير من المفسرين: الملة: أي أن جميع الأنبياء والرسل على دين واحد. وقال آخرون: إن الأمة في هذه الآية بمعنى الجماعة.
﴿مُبَشِّرِينَ﴾ المؤمنين بالجنة. ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ الكافرين بالنار. ﴿الْكِتابَ﴾ أي الكتب.
﴿الْبَيِّناتُ﴾ الحجج الظاهرة على التوحيد. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ متعلقة باختلف، وهي وما بعدها مقدم على الاستثناء في المعنى. ﴿بَغْياً﴾ حسدا. ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ من بيانية. ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بإرادته.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ بمعنى بل أحسبتم، وبل: تفيد افتتاح كلام جديد. ﴿وَلَمّا﴾ لم ﴿مَثَلُ﴾ وصف عظيم وحال ذات شأن.
Juz 2, halaman 244 ›
﴿مَسَّتْهُمُ﴾ جملة مستأنفة مبينة ما قبلها ﴿الْبَأْساءُ﴾: شدة الفقر، وكل ما يصيب الإنسان في غير ذاته، كأخذ المال، والطرد من الديار، وتهديد الأمن، ومقاومة نشاط الدعوة إلى الله ﴿الضَّرّاءُ﴾ المرض، وكل ما يصيب الإنسان في نفسه، كالجرح والقتل ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ أزعجوا بأنواع البلايا، والزلزال: الاضطراب في الأمر. ﴿مَتى نَصْرُ اللهِ﴾ أي متى يقع نصر الله، و ﴿قَرِيبٌ﴾ خبر إن، وقريب: لا تثنّيه العرب ولا تجمعه ولا تؤنثه في هذا المعنى، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف ٥٦/ ٧].
سبب النزول:
نزول الآية (٢١٤):
قال قتادة والسّدّي: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق (الأحزاب) حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة، والحر والبرد، وسوء العيش، وأنواع الأذى، وكان كما قال الله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ [الأحزاب ١٠/ ٣٣] ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب ١١/ ٣٣]. أما المنافقون فقالوا: ﴿ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً﴾ [الأحزاب ١٢/ ٣٣] وقال صادقو الإيمان: ﴿هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيماناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب ٢٢/ ٣٣].
وقال عطاء: لما دخل رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة، اشتد الضر عليهم، بأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله ﷺ، وأسرّ قوم من الأغنياء النفاق، فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾.
المناسبة:
أمر الله تعالى في الآية السابقة المؤمنين أن يدخلوا في السلم كافة ويأخذوا الإسلام بجملته، دون تجزئة أو خلط بينه وبين غيره، وأبان في هاتين الآيتين مدى الحاجة إلى الرسل، وأن الاهتداء بهديهم ضروري للبشر، وأن من آمن
Juz 2, halaman 245 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.