سعادة الدارين، فمن أهملها أو فرط بها حرم النعمة الجليلة التي أنعم الله بها على سلف هذه الأمة، من السيادة والعزة. وإن الجنة لا تنال بغير ثمن، ولا تفيد الأماني شيئا، وما على المسلم إلا أن يكون مقدرا لدوره ورسالته في الحياة، فلا يكفيه مجرد الإيمان القلبي، وإنما لا بدّ له من أعمال جسام، وتضحيات عظام، ومجاهدة نفس حتى يهذبها ويصلح عيوبها، وتعاون على البرّ والتقوى، وهجر لزينة الدنيا والافتتان بها، وعمل خالص للآخرة، وإرضاء لله وحده، دون أن يشوبه شائبة رياء أو سمعة أو شهرة زائفة.
وإذا أعيد تكوين المسلم على طراز تربية السلف الصالح، أمكن تحقيق العزة الإسلامية المنشودة، والنصر المرجو على الأعداء، بعد استكمال وسائل القوة اللازمة المكافئة لقوى العدو، والتخطيط لبناء الأمة، ووضع أسس النهضة والتقدم موضع التنفيذ الفعلي بكل حزم وإصرار وإخلاص.
للقليل والكثير. ﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾ هم الأولاد وأولادهم ثم الإخوة. واليتيم: من فقد والده وهو صغير.
والمسكين: من عجز عن كسب ما يكفيه ورضي بالقليل. وابن السبيل: المسافر. ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ إنفاق أو غيره. ﴿فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ يعلمه ويجازي عليه.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير الطبري عن ابن جريج قال: سأل المؤمنون رسول الله ﷺ: أين يضعون أموالهم، فنزلت: ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ؟ قُلْ: ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾.
وأخرج ابن المنذر عن أبي حيان: أن عمرو بن الجموح سأل النّبي ﷺ: ماذا ننفق من أموالنا، وأين نضعها، فنزلت.
ويؤيده ما
قال ابن عباس في رواية أبي صالح: نزلت في عمرو بن الجموح الأنصاري، وكان شيخا كبيرا ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله، بماذا أتصدق، وعلى من أنفق؟ فنزلت هذه الآية.
المناسبة:
ذكر في الآيات السابقة أن حب الدنيا هو سبب الشقاق والخلاف، وأن المؤمنين بحق هم الذين يتحملون الشدائد في أموالهم وأنفسهم ابتغاء رضوان الله، فناسب أن يذكر ما يرغب الإنسان في الإنفاق في سبيل الله، لأن الكسب والإنفاق يتطلبان الصبر والسماحة، وبذل المال كبذل النفس، كلاهما من آيات الإيمان.
هذا مع العلم بأنه لا حاجة إلى التناسب بين كل آية وما يتصل بها، لا سيما إذا كانت الأحكام المسرودة أجوبة لأسئلة وردت، أو كان من شأنها أن ترد، وذلك للحاجة إلى معرفة حكمها كهذه الآية، والسؤال عنها وقع بالفعل (¬١)، كما ذكرنا في سبب النزول.
ويلاحظ ما ذكرناه سابقا: أن بداية سورة البقرة إلى ما قبل آية:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ (١٧٢) في القرآن والرسالة، وأن هذه الآية وما بعدها إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ (٢٤٣) في سرد الأحكام العملية.
وهذه الآية بيان لمصرف ما ينفقونه.
التفسير والبيان:
يسألك أصحابك يا محمد عن مقدار ما ينفقون نفقة تطوع، لا الزكاة الواجبة، وعن بيان الجهة (أو المصرف) التي ينفقون فيها. فأجبهم أن أي مقدار تنفقونه قليلا كان أو كثيرا، فثوابه خاص بكم، وأن جهات الإنفاق: إعطاء الوالدين (الأب والأم) والأولاد، لأنهم قرابة قريبة، ثم بقية الأقارب، للأقرب فالأقرب، ثم اليتامى الذين مات كافلهم، والمساكين الذين عجزوا عن الكسب، ثم إعطاء المسافرين الذين انقطعوا في الطريق إلى بلادهم، وكل ما تنفقونه في وجوه البرّ والطاعة مطلقا، فإن الله سيجازي به، لأنه عليم بكل شيء، لا يغيب عنه شيء، فلا ينسى الجزاء والثواب عليه، بل يضاعفه.
والأصح أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، فهي لبيان صدقة التطوع، لأنها لم تعين مقدار المنفق، والزكاة الشرعية معينة المقدار بالإجماع (¬١).
وترتيب جهات الإنفاق يظهر فيما
رواه أحمد والنسائي عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: تصدقوا، فقال رجل: عندي دينار، قال: تصدق به على نفسك، قال: عندي دينار آخر، قال: تصدق به على زوجتك، قال: عندي دينار آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي دينار آخر، قال:
تصدق به على خادمك، قال: عندي دينار آخر، قال: أنت أبصر به.