وصفه بقوله: فيه، فتخصص، والنكرة إذا تخصصت جاز أن تكون مبتدأ. و ﴿كَبِيرٌ﴾: خبر المبتدأ.
﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ مبتدأ، وعطف عليه: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾، ﴿وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾، وخبر الثلاثة: أكبر عند الله.
البلاغة:
﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي مكروه، وضع المصدر موضع اسم المفعول للمبالغة. وهناك ما يسمى في علم البديع بالمقابلة بين جملتي: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً﴾ وقوله ﴿وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً﴾.
﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فيه ما يسمى طباق السلب.
المفردات اللغوية:
﴿كُتِبَ﴾ فرض ﴿الْقِتالُ﴾ للكفار ﴿كُرْهٌ﴾ مكروه ﴿وَعَسى﴾ هنا للإشفاق لا للترجي، وهي هنا تامة لا تحتاج إلى خبر ﴿وَصَدٌّ﴾ منع للناس ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ دينه ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ بالله ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ مكة ﴿وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ وهم النّبي ﷺ والمؤمنون ﴿أَكْبَرُ﴾ أعظم وزرا ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ من القتال فيه. ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ أي فتنة المسلمين عن دينهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم أو بتعذيبهم، حتى يهلكوا (¬١) ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ﴾ يرجع ﴿حَبِطَتْ﴾ بطلت وفسدت في الدنيا والآخرة، فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها. والتقييد بالموت ﴿فَيَمُتْ﴾ على الردة يفيد أنه لو رجع إلى الإسلام، لم يبطل عمله، فيثاب عليه ولا يعيده، كالحج مثلا، وهو مذهب الشافعي، ورأى مالك وأبو حنيفة: أنه يعيده ﴿آمَنُوا﴾ ثبتوا على إيمانهم و ﴿هاجَرُوا﴾ فارقوا أوطانهم وأهلهم ﴿وَجاهَدُوا﴾ من الجهد: وهو المشقة ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ لإعلاء دينه ﴿يَرْجُونَ﴾ يتوقعون النفع باتخاذ الأسباب ﴿رَحْمَتَ اللهِ﴾ أي ثوابه.
سبب النزول:
نزول الآية (٢١٦):
قال ابن عباس: لما فرض الله الجهاد على المسلمين شق عليهم وكرهوا، فنزلت هذه الآية.
أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والبيهقي في سننه عن جندب بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ بعث رهطا وبعث عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، فلقوا ابن الحضرمي، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ فسبب نزولها قصة عبد الله بن جحش باتفاق المفسرين.
وقال المفسرون: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش، وهو ابن عمة النّبي ﷺ في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين، على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، ليترصدوا عيرا (¬١) لقريش فيها عمرو بن الحضرمي وثلاثة آخرون معه، فقتلوه وأسروا اثنين، واستاقوا العير، وفيها عير لقريش تحمل زبيبا وأدما، وتجارة من تجارة الطائف، وكان ذلك أول يوم من رجب، وهم يظنونه من جمادى الآخرة، فقال النّبي ﷺ لهم عند ما قدموا عليه: والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، وأوقف توزيع الغنيمة، وقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام، وهو الشهر الذي يأمن فيه الخائف، ويسعى الناس فيه إلى معايشهم (¬٢).
وقال بعض المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا وزرا، فليس لهم أجر، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ الآية.
المناسبة:
ذكرت أحكام القتال بعد أحكام الصدقة (نفقة التطوع) لما بينها من الصلة