رفع خبره، وجملة: ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ صلته، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي ينفقونه؟. هذا، ويجوز اعتبار: ﴿ماذا﴾ اسم استفهام مركبا، وفي إعرابه وجهان: اعتباره مفعولا متعدّيا للفعل بعده، واعتباره مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، والرابط محذوف، وهو مفعول الفعل المحذوف. وسواء أكانت الجملة اسمية، أم فعلية، فهي في محل نصب مفعول به ثان للفعل قبلها. وجملة: ﴿يَسْئَلُونَكَ..﴾. إلخ مستأنفة.
﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل شرطه. ﴿أَنْفَقْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿ما،﴾ و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿فَلِلْوالِدَيْنِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (للوالدين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فمصرفه للوالدين. والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول:
لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿ما﴾ اسما موصولا؛ فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: الذي أنفقتموه، ويكون: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ متعلقين بمحذوف حال من هذا المحذوف، ويكون: (للوالدين) متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، واقترن بالفاء؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، ورجّح الأول لمناسبة الجملة الثانية؛ إذ لا يصح فيها الاعتبار الثاني.
تأمّل، وعلى كلّ فالجملة: ﴿ما أَنْفَقْتُمْ..﴾. إلخ سواء أكانت اسمية، أم فعلية، فهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هذه الأسماء معطوفة على (الوالدين) مجرورة مثله، وعلامة الجر في الأول الياء، وفي الثاني كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وفي الأخيرين الكسرة الظاهرة، و (﴿اِبْنِ﴾): مضاف، و ﴿السَّبِيلِ:﴾ مضاف إليه، وإعراب الجملة: (﴿ما تَفْعَلُوا..﴾.) إلخ لا يخفى عليك بعد إعراب ما تقدّم، و (ما) لا يجوز فيها إلا الشرطية، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محلّ جزم جواب الشرط عند الجمهور، و (ما) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، فهي في محل نصب مقول القول مثلهنّ، والجار والمجرور: ﴿بِهِ﴾ متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ بعده، تأمل، وتدبر، وربك أعظم، وأجل، وأكرم.
الشرح: مناسبة الآية، والتي بعدها: لمّا ذكر الله تعالى في الآيات السابقة: أنّ النّاس فريقان: فريق يسعى في الأرض فسادا، ويضلّ الناس بخلابة لسانه، وقوّة بيانه، وحلاوة كلامه.
وفريق باع نفسه للحقّ، يبتغي به وجه الله، ورضاه، ولا يرجو أحدا سواه. ولمّا كان لا بدّ للتنازع بين الخير والشر، ولا بدّ للحقّ من سيف مصلت إلى جانبه؛ لذا شرع الله للمؤمنين أن يحملوا السّيف مناضلين، وشرع الجهاد دفعا للعدوان، وردعا للظّلم، والطغيان. صفوة التفاسير.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ:﴾ فرض عليكم الجهاد في سبيل الله. قال عمر بن أبي ربيعة: [الخفيف]
كتب القتل والقتال علينا... وعلى الغانيات جرّ الذّيول
وقد ذكرت لك فيما مضى: أنّ الله جلّت قدرته لم يأذن للمسلمين بالقتال قبل الهجرة، فلمّا هاجر الرّسول ﷺ والمسلمون إلى المدينة؛ أذن لهم بالجهاد باللّسان، والسنان. والجهاد في بدء الإسلام كان فرض عين، فلمّا عزّ الإسلام، وانتشرت دعوته؛ صار فرض كفاية، إذا قام به البعض؛ سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام، كما في أيّامنا هذه، حيث احتل اليهود اللّؤماء أراضينا، فهو فرض عين على كل قادر على حمل السلاح.
﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي: كره في الطّباع البشرية. قال ابن عرفة: الكره-بضم الكاف-:
المشقة، وبالفتح: ما أكرهت عليه. هذا هو الاختيار، ويجوز الضم في معنى الفتح، فيكونان لغتين، وإنما كان الجهاد كرها؛ لأن فيه إخراج المال، ومفارقة الوطن، والأهل، والتعرض بالجسد للشّجاج، والجراح، وقطع الأطراف، وذهاب النفس، فكانت كراهيتهم لذلك، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى. هذا؛ و ﴿كُرْهٌ﴾ مصدر وضع موضع اسم المفعول: «مكروه» للمبالغة.
﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ:﴾ (﴿عَسى﴾) من الله واجبة في جميع القرآن، والمعنى:
عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقّة؛ وهو خير لكم في أنّكم تغلبون، وتظفرون، وتغنون، وتؤجرون، ومن مات؛ مات شهيدا. ﴿وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا﴾ الدّعة، وترك القتال، ﴿وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ في أنّكم تغلبون، وتذلّون، ويذهب عزّكم، وتضعف شوكتكم. هذا؛ وبين الجملتين من المحسنات البديعية ما يسمّى بالمقابلة، فقد قابل بين الكراهية، والحب، وبين الخير، والشر.
﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي: الله أعلم بعواقب الأمور منكم، وأدرى بما فيه صلاحكم في دنياكم، وآخرتكم، فبادروا إلى ما يأمركم به. وفي هذه الجملة طباق السّلب.
هذا؛ وإن النفس تميل إلى الشر بسبب ميلها إلى الدّعة، والراحة، وإلى الشهوات الموجبة لهلاكها، وتنفر من الخير الّذي يتسبّب عن التكاليف الإلهية الموجبة لسعادتها، وإن كان في ظاهرها مشقة، وجهد، وعناء، فالآية الكريمة تحثّ على الجهاد، فلعلّ لكم فيه وإن كرهتموه خيرا؛ لأن فيه إمّا الظفر، والغنيمة، وحسن السّمعة، والثناء من الناس، أو الشهادة، والأجر؛ الذي أعدّه الله للمجاهدين؛ الذين يبذلون أرواحهم في سبيل إعلاء كلمة الله، مع أن في تركه شرّا؛ لأن فيه الذل، والفقر، والحرمان من الأجر. والمحروم من حرم الأجر، والثواب.
الإعراب: ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به.
﴿الْقِتالُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا ارتباط لها بما قبلها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُوَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كُرْهٌ:﴾ خبره. ﴿لَكُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان ب ﴿كُرْهٌ؛﴾ لأنه مصدر، أو اسم مفعول، والجملة الاسمية في محل نصب حال من القتال، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَعَسى:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿عَسى﴾): فعل ماض جامد من أفعال الرجاء، مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو تام هنا. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]
بعد عسى اخلولق أوشك قد يرد... غنى بأن يفعل عن ثان فقد
﴿أَنْ تَكْرَهُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و ﴿أَنْ تَكْرَهُوا:﴾ في تأويل مصدر في محل رفع فاعل (﴿عَسى﴾)، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كُتِبَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿شَيْئاً:﴾
مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في محل نصب حال من: ﴿شَيْئاً﴾ وهو نكرة، وكان الواجب أن تكون صفة على القاعدة: «الجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال»، والمعارض في ذلك الواو، فإنها لا تعترض بين الصفة، والموصوف، خلافا للزمخشري، وأبي البقاء، وإنّما توسّطت الواو في رأي الزمخشري؛ لتأكيد لصوق الصّفة بالموصوف. هذا الذي أجازه أبو البقاء هنا، والزمخشري في الآية الكريمة: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ الآية رقم [٤] من سورة (الحجر)، وهو رأي ابن خيران، وسائر النّحويين يخالفونه. انتهى. جمل نقلا عن السّمين.
أقول: ومثل هذه الآية قوله تعالى في الآية رقم [٢٥٩]: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾. والشاهد على هذه المسألة في مغني اللبيب قول قيس بن ذريح، وهو الشاهد رقم [٧٩٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
مضى زمن، والنّاس يستشفعون بي... فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع؟
وإعراب: ﴿وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا..﴾. إلخ لا يخفى عليك بعد هذا، والجملة معطوفة على ما قبلها.
﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) ومفعوله محذوف، التقدير:
يعلم ما هو خير لكم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف المجرورة محلاّ باللام، والرابط: الواو، والضمير في الجملة الثانية المعطوفة عليها؛ لأن الجملتين المتعاطفتين كالجملة الواحدة. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.
(﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل