أي وما تنفقوه من نفقات طيبة لا إثم في كسبها، أو تصنعوه من معروف يعلَمْه الله ويُجْزِ عليه الجزاء الأوفى. وقال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا﴾ ولم يقل: وما تنفقوا من خير، لأن فعل الخير عام: يدخل فيه الإنفاق وغيره: من معاونة القوي للضعيف، وصاحب الجاه لمن لا جاه له، والصحيح للمريض، كما يدخل فيه الإصلاح بين المتخاصمين، والأَمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعيادة المرضى، وهكذا.
وَ ﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من العلم، وليس المراد مجرد الإفادة بعلم الله للخير، بل المقصود مع ذلك أنه يحسن الجزاء عليه ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (¬١).
بين الله قبل هذه الآية، أن الجنة لا يدخلها المؤمن، حتى يقاسي البأَساء والضراءَ في سبيل دينه، كمثل الذين من قبلهم، وذكر لهم مصارف المال، ومواضع النفقات.
وجاءَت هذه الآية لتبين لهم وجوب الجهاد، دفاعًا عن الإسلام، وهو المظنة الأُولى للبأساءِ والضراءِ، التي لابد من امتحان المؤْمنين بها.
وقد بين الله في هذه الآية الكريمة: أنه فرض على المسلمين الجهاد، وأنه مكروه لهم، وتلك الكراهية أَمْرٌ جِبِلِّيُّ، لما فيه من القتل والأسر، وإتعاب البدن، وتلف المال، وقتل ما عسى أن يكون من الأقارب على الكفر - وهم يحبون أن يهديهم الله إلى الإسلام. وهذا لا ينافي رضاهم بما كلفهم الله به حبًا في مرضاة الله وطمعًا في ثوابه، كالمريض يرضى بشرب الدواء الكريه الطعم، حبًّا في الشفاء.
والجهاد أصلًا: فرض كفاية يقوم به المجندون من شباب المسلمين، نائبين عن بقية المسلمين.
فإذا دخل العدو بلاد الإسلام غازيًا، فقد انعقد الإجماع على أن الجهاد فرض عين، على جميع المسلمين سواءٌ أكان القتال أم بالحض عليه، أم بتجهيز المقاتلين، أَم تثبيتهم، أَم برعاية أسرهم، أم علاجهم: أم تأليب الرأي العام على المعتدين.
عسى هنا للتحقيق، كنظائرها الواقعة في كلامه تعالى أو: للترجي، باعتبار حال السامع.
وموضع الرجاءِ، هو الخير المترتب على الجهاد. فالرجاءُ هنا، يكون في نية المقاتلين، بأَن يترقبوا من ورائه النصر والثواب من الله تعالى.
وعسى هنا، تامة، سد ما بعدها، مسد اسمها وخبرها.
والمعنى: أَنكم قد تجهلون حقائق الأُمور، فتكرهون شيئًا مما كلفتم به، وتحاولون اجتنابه، ولكن نهايته تكون خيرًا لكم، وتحبون شيئًا وتحرصون عليه، ولكن نهايته - مع حبكم له - تكون شرًا لكم. فليس كل مكروه ضارًا، ولا كل محبوب نافعًا.
والجهاد: هو مصدر العزة والكرامة والحرية. وفيه إحدى الحسنين: الظَّفَرُ أَو الشهادة. وما ترك قوم الجهاد إلا ذَلّوا، وأصبحوا فريسة سهلة للمعتدين.
أي ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ﴾ ما هو خير لكم، وما هو شرّ لكم، ﴿وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك فلا تتبعوا ما تميل إليه نفوسكم، وبادروا إلى امتثال ما أمركم، ففيه الخير دائمًا.