الرحمة والإحسان والفضل الإلهي والمغفرة والنعمة. وإنما عبّر سبحانه عن هذا الجزاء الحسن بقوله: ﴿يَرْجُونَ﴾ وقد مدحهم، لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة، ولو بلغ في الطاعة كل مبلغ، وذلك لأمرين:
أحدهما-لا يدري بم يختم له.
والثاني-لئلا يتّكل على عمله، والرجاء مصحوب أبدا بالخوف، كما أن الخوف معه رجاء.
والهجرة التي امتدح الله بها المؤمنين كانت فرضا على المسلمين من مكة إلى المدينة، ثم نسخت
بقوله ﷺ في الصحيح: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» ومع ذلك يؤخذ من علة وجوب الهجرة في عهد التشريع أنها تجب بمثل تلك العلة في كل زمان ومكان، فلا يجوز لمؤمن أن يقيم في بلاد يفتن فيها عن دينه، بأن يؤذى إذا صرح باعتقاده، أو عمل بما يجب عليه.
﴿ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾﴿ماذا﴾ كلمة واحدة منصوبة بفعل: ﴿يُنْفِقُونَ﴾.
و ﴿الْعَفْوَ﴾: منصوب ب: ينفقون المقدر، وتقديره: قل: ينفقون العفو. وقرئ: ﴿الْعَفْوَ﴾ بالرفع على أن ما استفهامية مبتدأ، وذا خبره، و ﴿يُنْفِقُونَ﴾: صلته، والعفو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو العفو.
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي عن تعاطيهما، بدليل قوله تعالى:
﴿قُلْ: فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾.
﴿وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾ فيه إطناب، وهو التفصيل بعد الإجمال.
﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ﴾ فيه تشبيه مرسل مجمل، أي كما فصل لكم هذه الأحكام وبينها وأوضحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده ووعيده، لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة، يعني في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها.
المفردات اللغوية:
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ أي عن حكم شربهما وتعاطيهما. والسائلون: هم المؤمنون.
والخمر: من خمر الشيء: إذا ستره وغطاه، سميت بها، لأنها تستر العقل وتغطيه. وهي عند الحنفية: النيء من ماء العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد، وتطلق في رأي الجمهور على عصير العنب والتمر والذرة وكل ما يسكر. والميسر: القمار، مأخوذ من اليسر وهو السهولة، لأنه كسب بلا جهد ولا مشقة. قال مجاهد: كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالخرز. وكان قمار العرب في الجاهلية بالأقداح أو الأزلام وهي عشرة، سبعة يكتب على كل واحد منها نصيب معلوم، وثلاثة غفّل لا نصيب لها، كانوا يشترون جزورا نسيئة (لأجل) وينحرونه قبل أن ييسروا، ويقسمونه ٢٨ قسما أو ١٠ أقسام، ويجعلون الأقداح العشرة في كيس يحركها شخص ثقة منهم، ويدخل يده، فيخرج منها الأقداح، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ نصيبه، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له، لم يأخذ شيئا، وغرم ثمن الجزور كله. وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك، ويذمون من لم يشترك معهم.
﴿فِيهِما﴾ في تعاطيهما ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الإثم: الذنب، ولا ذنب إلا فيما كان ضارا من قول أو فعل، والضرر إما في البدن أو النفس أو العقل أو المال. والكبير: العظيم، وسبب الوقوع في الإثم: ما يقع بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش.
﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ باللذة والفرح في الخمر وتحقيق الربح بالتجارة فيها، وإصابة المال بلا كدّ ولا جهد في الميسر، فهي منافع اقتصادية أو شهوانية.
﴿وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾ أي ما ينشأ عنهما من المفاسد وعقاب التعاطي أعظم من نفعهما:
وهو الالتذاذ بشرب الخمر، ولعب القمار، والطرب فيهما، وسلب الأموال بالقمار والافتخار على الأقران، فالكثرة تعني أن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة.
﴿الْعَفْوَ﴾: الفضل والزيادة عن الحاجة التي يحتاجها الإنسان هو ومن يعوله، فلا ينفق ما يحتاج إليه ويضيع نفسه.
سبب النزول:
نزلت آية ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ..﴾. في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار، أتوا رسول الله ﷺ، فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر، فإنهما مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى هذه الآية (¬١).
وروى أحمد عن أبي هريرة قال: «قدم رسول الله ﷺ المدينة، وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما، فنزلت الآية، فقال الناس: ما حرّم علينا، إنما قال: إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر، حتى كان يوم، صلى رجل من المهاجرين، وأمّ الناس في المغرب، فخلّط في قراءته، فأنزل الله آية أغلظ منها: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى، حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء ٤٣/ ٤]. ثم نزلت آية أغلظ من ذلك: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة ٩٠/ ٥] إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قالوا: انتهينا ربّنا».
من هذه الرواية وغيرها يتبين أن تحريم الخمر مرّ في أربع مراحل تدرج فيها التشريع لينقل الناس من الأخف إلى الأشد تدريجيا، وتلك سياسة تربوية ناجحة، فلو قيل لهم دفعة واحدة: لا تشربوا الخمر، لقالوا جميعا: لا ندع الخمر، فنزل في الخمر أربع آيات في مكة، لمعالجة الإدمان على الخمر، وتخليص الناس من هذا الداء العضال: