﴿مِنْ نِسائِهِمْ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف تقديره: كائنا من نسائهم. وليست ﴿مِنْ﴾ متعلقة بفعل ﴿يُؤْلُونَ﴾، لأنه يقال: آلى على امرأته، ولا يقال: آلى من امرأته، فهو غلط.
البلاغة:
﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ خرج الخبر عن ظاهره إلى معنى الوعيد والتهديد.
المفردات اللغوية:
﴿يُؤْلُونَ﴾ يحلفون أو يقسمون، والأليّة: الحلف، جمع ألايا، والإيلاء: أن يحلف الرجل ألا يقرب امرأته أربعة أشهر فأكثر. وإنما عدّيت ﴿يُؤْلُونَ﴾ بمن، وهي إنما تعدى بعلى، إما لأنه ضمن ﴿يُؤْلُونَ﴾ معنى يعتزلون، وإما لأن في الكلام حذفا، وتقديره: للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم، فترك ذكر: يعتزلون، اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام عليه.
﴿تَرَبُّصُ﴾ انتظار. ﴿فاؤُ﴾ رجعوا إلى نسائهم عن اليمين. ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لهم ما حلفوا عليه من ضرر المرأة. ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم.
﴿عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ صمموا على إيقاع الطلاق، وعزموا ألا يعودوا إلى الاستمتاع بنسائهم.
﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لقولهم. ﴿عَلِيمٌ﴾ بعزمهم، أي ليس لهم بعد تربص مدة أربعة أشهر إلا الفيئة أو الطلاق.
قال ابن عباس: كان إيلاء أهل الجاهلية السّنة والسّنتين وأكثر من ذلك، فوقّت الله أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء. وقال سعيد بن المسيب: كان الإيلاء ضرار أهل الجاهلية، كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحبّ أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبدا، وكان يتركها كذلك، لا أيّما ولا ذات بعل، فجعل الله تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر، وأنزل الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ﴾ الآية (¬١).
وذكر مسلم في صحيحة أن النّبي ﷺ آلى وطلّق، وسبب إيلائه سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده.
وذكر ابن ماجه سببا آخر: وهو أن زينب ردّت عليه هديته، فغضب ﷺ، فآلى منهن.
ومناسبة الآية لما قبلها ظاهرة، لأنه تقدم شيء من أحكام النساء وشيء من أحكام الأيمان، وهذه الآية جمعت بين الشيئين.
التفسير والبيان:
حدد الله تعالى مدة قصوى للذين يحلفون ألا يقربوا نساءهم، وهي أربعة أشهر، إشارة إلى أن الإيلاء لمدة طويلة مما لا يرضي الله تعالى، لما فيه من قطيعة واستمرار نزاع، ومنعا من إلحاق الضرر بالمرأة وامتهانها وإهدار حقوقها.
فإن رجعوا بالفعل لا بالقول (¬٢) إلى ما حلفوا على الامتناع منه وكانوا عليه، فإن الله يغفر لهم ما كان من الحنث في أيمانهم، لأن الفيئة توبة في حقهم، رحيم
بهم وبغيرهم من المؤمنين، فلا يؤاخذهم بما سلف، لأن رحمته وسعت كل شيء.
ومعنى ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾: أي ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف، ويطالب بالفيئة أو الطلاق، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ فاؤُ﴾. وإن عزموا الطلاق، فلم يفيئوا إلى نسائهم، فإن الله سميع لإيلائهم وطلاقهم، عليم بنياتهم، وبما ارتكبوه مما يحرم أو يحلّ، فليراقبوه فيما يفعلون، فإن أرادوا إيذاء النساء ومضارتهن، فهو يتولى عقابهم، وإن كان لهم عذر شرعي مثل حملهن على إقامة حدود الله، فالله يغفر لهم.
ومجمل الحكم: أن من حلف على ترك قربان امرأته واستمر على امتناعه أربعة أشهر، فإما أن يفيء إلى زوجته، ويحنث في يمينه، ويكفّر عنها، وإما أن يطلق، فإن أبى الطلاق طلّق عليه القاضي. أي له الخيار بين أمرين: الفيئة أو الطلاق. والفيئة أفضل من الطلاق، لأن الله جعل جزاءها المغفرة والرحمة، وهدد في حال الطلاق بأن الله سميع لأقوالهم عليم بنواياهم وأفعالهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّ قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ﴾ على أن الإيلاء يختص بالزوجات.
ويلزم الإيلاء كلّ من يلزمه الطلاق، فالحرّ والعبد والسكران يلزمه الإيلاء، وكذلك السفيه والمولى عليه إذا كان بالغا غير مجنون، وكذلك الخصي غير المجبوب، والشيخ الكبير إذا كان فيه بقية قوة ونشاط. أما المجبوب:
فللشافعي فيه قولان: قول: لا إيلاء له، وقول: يصحّ إيلاؤه، والأول أصح.
ويصحّ إيلاء الأخرس بما يفهم عنه من كتابة أو إشارة مفهومة، ويقع إيلاء الأعجمي كالعربي بلغته.