وإن لم يفيئوا وعزموا الطلاق، وقع الطلاق بمضي الشهور الأربعة عند غير الشافعي، وبإيقاع الطلاق عند الشافعي، فإن الله سميع لإيلائهم، عليم بطلاقهم ونياتهم، فيجازيهم على وفقها.
وأما الإِماءُ: فعدتهن قُرْآنِ بالسنة. راجع الآية الرابعة من سورة الطلاق.
وقد أَوجبت الآية: أن تنتظر هذه المطلقة مدة ثلاثة قروءٍ، قبل الزواج من رجل آخر. والقروءُ: جمع قُرءٍ، بضم القاف وفتحها، ويطلق لغةً: على الطهر، وعلى الحيض.
وقد اختلف الفقهاءُ، في المراد من القروء المعتبرة في العدة. فمنهم من قال: المراد بها الأطهار. ومنهم من قال: المارد بها الحيضات. فإن طلقت الزوجة في الحيض، لم تعتد بالحيضة التي وقع فيها الطلاق، فإجماع الفقهاء. ولا تنتهي عدتها عند من يقول: إن القروء هي الحيضاتُ، إلا إذا حاضت - بعد الحيضة التي طلقت فيها - ثلاثة حيضات كوامل، وذلك بدخولها في الطهر الذي يلي هذه الحيضات الثلاث الكوامل.
ومن طُلِّقت في طهر، حُسِبَ هذا الطهر قرءًا عند من يقول: إن الأقراءَ هي الأَطهارُ، فتعتد بعده بطُهْرين كاملين، وذلك بدخولها في الحيضة التي تلي الطهرين الكاملين.
وهذه المدة كافية ليراجع كل من الزوجين نفسه: فيفيءَ إلى المودة والرحمة والصفاء، إن كان هناك مجال للصفاءِ، وكان الطلاق رجعيًا.
فإذا انتهت مدة التربص، أصبحت الطلقة بائدًا. ولا يملك الزوج حقَّ المراجعة، إلا بعقد ومهرٍ جديدين، برضا الزوجة، إن لم يستنفد عدد الطلاق.
لما كان أمر العدة يدور على: الحيض، والطهر، والحمل - ولا اطلاع عليهما إلى من جهة النساء - جُعِلَ القولُ قولهن في انقضاء العدة وعدمها، وجُعِلن مؤْتمنات عليها. فلذا
حذرهن الله - في هذه الآية - من كتمان ما في أرحامهن من الحمل: رغبة في الإسراع في الزواج من رجل آخر، بزعمهن انقضاء عدتهن بالأَقراءِ، أو من الحيض: رغبة في إطالة العدة للحصول على النفقة أطول مدة ممكنة.
هذا وعيد وتحذير شديد، لتأكيد تحريم الكتمان، وإيجاب أداء الأمانة في الإخبار عن الرحم بحقيقة ما فيها. فسبيل المؤمنات أن لا يكتمن الحق، ولا يتعرضن لزواج غير مشروع أثناء الحمل. ويُعْتَبرُ الوطء فيه زنى. كما أن فيه نسبة الحمل إلى رجل آخر لا صله له به، وهي جريمة بشعة.
وجواب الشرط: مفهوم مما سبقه. والتقدير: إن كن يؤْمنَّ بالله واليوم الآخر، فلا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن.
أي للأزواج - في مدة التربص - حق مراجعة الزوجات المطلقات، إن كان الطلاق رجعيًا، فلا يمتنعن عن الرجوع إليهم.
وجواب الشرط مفهوم مما سبق. والتقدير: إن أراد الأزواج إصلاحًا بينهم وبين المطلقات - بغير قصد الإضرار بهن - فلهم الحق في ردهن.
وأفعل التفضيل ﴿أَحَقُّ﴾ ليس على بابه، إذ لاحق للزوجة في المراجعة. فمتى راجعها الزوج فعليها العودة إليه.
وليس المراد من قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ اشترط جواز الرجعة بإرادة الإصلاح حتى لو لم يكن قصده ذلك لا تجوز - للإجماع على جوازها مطلقًا - بل المراد: تحريضهم على قصد الإصلاح بالمراجعة، فلا يقصدون بها المضارة بتطويل العدة عليهن .. لهذا جعل قصد الإصلاح، كأَنه منوط به حق المراجعة.