﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾: أن وصلتها في موضع نصب على الاستثناء من غير الجنس. وأن لا يقيما: في موضع نصب، لأن تقديره: من أن لا يقيما، فلما حذف حرف الجر تعدى الفعل إليه.
﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ طباق بين لفظي إمساك وتسريح.
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ إظهار لفظ الجلالة لتربية المهابة والتعظيم في النفس.
﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ قصر صفة على موصوف. وجاء هذا الوعيد بعد النهي للمبالغة في التهديد.
المفردات اللغوية:
﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ أي التطليق الذي يراجع فيه، كالسلام بمعنى التسليم، ومرتان: دفعتان أو اثنتان ﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي فعليكم إمساكهن بعد المراجعة من غير إضرار، بل بإصلاح وحسن معاشرة ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ أي إيقاع الطلقة الثالثة بدون رجعة وأداء حقوقها المالية، دون أن يذكرها بعد المفارقة بسوء. ﴿حُدُودَ اللهِ﴾ أحكامه وشرائعه ﴿تَعْتَدُوها﴾ تتجاوزوها، والاعتداء: تجاوز الحد في قول أو فعل.
﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي لا إثم ولا حرج على الزوج في أخذ المال الذي افتدت به نفسها ليطلقها، ولا حرج أيضا على الزوجة في بذله. ﴿تِلْكَ﴾ الأحكام المذكورة ﴿الظّالِمُونَ﴾ الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. ﴿حَتّى تَنْكِحَ﴾ تتزوج زوجا غيره ويطأها، كما في الحديث الصحيح عند الشيخين: البخاري ومسلم. ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ الزوج الثاني ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ أي الزوجة والزوج الأول أن يتراجعا إلى الزواج الجديد بعقد جديد بعد انقضاء العدة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ يتدبرون.
سبب النزول:
لم يكن للطلاق لدى عرب الجاهلية حد ولا عدد، فكان الرجل يطلق ثم يراجع وتستقيم الحال، وإن قصد الإضرار يراجع قبل انقضاء العدة، ثم يستأنف طلاقا جديدا، مرة تلو مرة إلى أن يسكن غضبه، فجاء الإسلام لإصلاح هذا الشذوذ ومنع الضرر.
نزول الآية (٢٢٩):
أخرج الترمذي والحاكم وغيرهما عن عائشة قالت: «كان الرجل يطلق
امرأته ما شاء أن يطلق، وهي امرأته إذا ارتجعها، وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرة وأكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك، فتبيني مني، ولا آويك أبدا، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، فكلما همت عدتك أن تنقضي، راجعتك، فذهبت المرأة، وأخبرت النبي ﷺ، فسكت حتى نزل القرآن: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ، فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ..﴾. الآية: أخرج أبو داود في الناسخ والمنسوخ عن ابن عباس قال: كان الرجل يأكل من امرأته نحلة-عطاءه-الذي نحلها وغيره، لا يرى أن عليه جناحا، فأنزل الله: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾.
أخرج ابن جرير الطبري عن ابن جريج قال: نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس وفي حبيبة، وكانت اشتكته إلى رسول الله ﷺ فقال: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فدعاه، فذكر ذلك له، قال: وتطيب لي بذلك؟ قال: نعم، قال: قد فعلت، فنزلت: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ، فَإِنْ خِفْتُمْ..﴾. الآية.
وروى البخاري وابن ماجه والنسائي عن ابن عباس أن جميلة أخت عبد الله بن أبيّ بن سلول زوج ثابت بن قيس أتت النّبي ﷺ، فقالت:
يا رسول الله، ثابت بن قيس، ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكن لا أطيقه بغضا، وأكره الكفر في الإسلام (¬١)، قال: أتردين عليه حديقته (¬٢)؟ قالت: