المعنى: ولا إثم عليكم - أيها المسلمون الذين تريدون خطبة أُولئك المعتدات - أن تُعرِّضوا بخطبة النساءِ، وتشيروا إليها - أثناء عدتهن من وفاة أزواجهن -: بأن يقول الرجل للمرأة قولا تفهم منه عرضًا أنه راغب فيها. وذلك كما رواه البخاري وغيره، عن ابن عباس ﵄: "إن أُريد التزوج، وإن لأُحب امرأَة من أمرها وأمرها - يعرض لها بالقول المعروف - وإن النساءَ لمن حاجتي، ولودِدتُ أن اله كتب لي امرأَة صالحة".
أما التصريح بخطبتها، فلا يجوز.
هكذا حكم المطلقة المعتدة في طلاق بائن.
فقد ورد أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة بنت قيس. حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حَفْصٍ آخر ثلاث تطليقات. فقد أمرها بأن تعتد في بيت أُم مكتوم. وقال لها: فإِذا حللت فأْذنيني. فلما حلت، خطبها لأُسامة بن زيد مولاه، فزوجها إياه.
أما المطلقة الرجعية، فلا خلاف في أنه لا يجوز في عدتها التصريح ولا التعريض بخطبتها.
وكما لا إثم عليكم في التعريض بخطبة المعتدات عن وفاة، فلا إثم عليكم إذا أخفيتم - في قلوبكم - نكاحهن بعد مضي عدتهن، ولم تعرضوا بخطبتهن أثناءَ عدتهن.
ثم ذكر حكمة الترخيص بذلك فقال:
﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾:
أي علم الله أنكم ستذكرونهن في أنفسكم، فرفع الحرج عنكم، ورخص لكم - فيما ذكر - من التعريض بالخطبة، وكتمان النكاح في أنفسكم.
هذا استدراك على مقدر. فكأنه قيل: فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن سرًّا. والمراد بالسرّ هنا: النكاح، وأطلق عليه السرّ لأنه، يخفي وراءَه ما هو سر، وهو المباشرة.
أو المعنى: لا تواعدوهن ما هو سرّ في أنفسكم من الزواج بهن. والمقصود: نهيهم عن التصريح بالزواج والوعد به، أثناء العدة.
ثم استثنى من ذلك قوله:
﴿إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾:
أي لا تواعدوهن نكاحًا مواعدة ما، إلا مواعدة بقول معروف، وهو ما كان بالتعريض. وهذا تصريح بما فهم من قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم﴾ إلخ، لغرض التأكيد.
أي: لا تقصدوا - قصدًا جازمًا - تنفيذ عقد النكاح، حتى ينتهي ما كُتِبَ وفُرِضَ من العدة.
وإذا كان قد نهى عن العزم على العقد قبل فراغ العدة - فالنهي عن العقد من باب أولى. ومن المعلوم أن عقد النكاح - في زمن العدة - باطل. والمباشرة - حينئذ - زنى.