قال مجاهد: الفضل: إتمام الرجل الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها. بل إن الآية تذكّر بالإحسان واستعمال الفضل في المعاملات، لأن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه ولا يستغل حاجته ويعطيه إذا كان محتاجا، ولا يبخل ولو بالدعاء له.
١١ - دلت آية ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ..﴾. على صحة هبة المشاع، لأن الله تعالى أوجب للمرأة بالطلاق نصف الصداق، فعفوها للرجل عن جميعه كعفو الرجل، ولم يفصل بين مشاع ومقسوم.
وقال أبو حنيفة: لا تصح هبة المشاع إلا بعد القسمة، لأن القبض شرط صحة الهبة، وقبض المشاع أمر متعذر.
﴿قانِتِينَ﴾ حال أي ذاكرين الله في قيامكم، والقنوت: أن تذكر الله قائما. ﴿فَرِجالاً﴾ حال منصوب، وعامله محذوف تقديره: فصلوا راجلين، وهو جمع راجل كقائم وقيام. ﴿كَما عَلَّمَكُمْ﴾ الكاف بمعنى مثل، وما: المصدرية أو موصولة مفعول لفعل «علمكم».
البلاغة:
﴿الصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ عطف خاص على عام، تنويها بفضلها وتنبيها على شرفها في جنسها.
هناك طباق بين ﴿خِفْتُمْ﴾ و ﴿أَمِنْتُمْ﴾. وعبر بكلمة الشرط ﴿فَإِنْ﴾ لعدم تحقق وقوع الخوف،
وأورد الثانية بكلمة ﴿فَإِذا﴾ لتحقق وقوع الأمن وكثرته، وأوجز في جواب الأولى مراعاة لظرف الخوف، وأطنب في جواب الثانية لمناسبته ظرف الأمن والاستقرار.
المفردات اللغوية:
﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ﴾ داوموا على الصلوات الخمس بإتقان وأداء في أوقاتها وإتمام أركانها وشروطها مع خشوع القلب، دون تضييع ولا عجلة ولا تأجيل. ﴿الصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ من الوسط:
وهو العدل والخيار، والوسطى: الفضلى، ويحتمل أنها وسط أو متوسطة في العدد، لأنها متوسطة بين صلاتين قبلها وصلاتين بعدها، وقيل: إنها وسط من الوقت. والراجح من الأقوال: أنها صلاة العصر، لما
رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن علي مرفوعا يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى-صلاة العصر»، و
روى أحمد والشيخان: أن النّبي ﷺ قال في هذا اليوم: «ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى، حتى غابت الشمس» ولم يذكر العصر.
وفي رواية عن علي عن عبد الله بن أحمد في سند أبيه: «كنا نعدّها الفجر، فقال رسول الله ﷺ: هي العصر» وأخرج الشيخان: «الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله».
﴿وَقُومُوا لِلّهِ﴾ في الصلاة ﴿قانِتِينَ﴾ ذاكرين الله تعالى في القيام، مداومين على الضراعة والخشوع، وقيل: مطيعين، لما رواه أحمد: «كل قنوت في القرآن فهو طاعة» وقيل: ساكتين، لما رواه الشيخان عن زيد بن أرقم: «كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت، فأمرنا بالسكوت».
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ من عدو أو سيل أو سبع ﴿فَرِجالاً﴾ جمع راجل، أي مشاة صلوا ﴿أَوْ رُكْباناً﴾ جمع راكب، أي كيف أمكن، مستقبلي القبلة أو غيرها، ويومئ بالركوع والسجود، وهذا مذهب الشافعي ﵀. وعن أبي حنيفة ﵀: لا يصلون في حال المشي والمسابقة، ما لم يمكن الوقوف.
﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ﴾ من الخوف ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ﴾ أي صلوا على النحو الذي علمكم إياه من الإتيان بالفرائض وحقوق الصلاة كاملة.
سبب النزول:
أخرج أحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود والبيهقي وابن جرير الطبري عن زيد بن ثابت أن النّبي ﷺ كان يصلي الظهر بالهاجرة، وكانت أثقل الصلوات
على أصحابه، فنزلت: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ وهذا يدل على أن الصلاة الوسطى صلاة الظهر، وبه قال جماعة.
وأخرج أحمد والنسائي وابن جرير الطبري عن زيد بن ثابت أن النّبي ﷺ كان يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وتجارتهم، فأنزل الله: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾.
وأخرج الأئمة الستة وغيرهم عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم على عهد رسول الله ﷺ في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.
المناسبة:
ختمت آيات الأحكام السابقة في العبادات والمعاملات ومعاملة الزوجات بالأمر بتقوى الله والتذكير بعلمه بحال عباده وما أعد لهم من جزاء على العمل، لتقوية الوازع الديني في النفوس، كما هي سنة القرآن.
ثم توسطت آيات المحافظة على الصلاة آيات أحكام الأسرة لحكمة (¬١): وهي الحاجة إلى مذكّر عملي يصل الإنسان بالله، للترفع عن البغي والعدوان، والميل إلى العدل والإحسان في معاملة الأسر، ولا سيما بعد الطلاق الذي يولد الشحناء والبغضاء، وذلك المذكّر هو الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتدعو إلى الإحسان والتسامح، وتنفي الجزع وتنسي هموم الدنيا، فتتربى النفس الإنسانية على أفضل سلوك، وأقوم طريق، وإشارة إلى أنه يجب ألا تشغلنا البيوت وأوضاعها ولا أنفسنا عن الصلاة.