٧ - قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ هذا نهاية التحذير من الوقوع فيما نهى عنه، لأن الله توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يؤيسهم من رحمته، ولم يقنطهم من عائدته، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿ما لَمْ﴾ ما: إما شرطية، أي إن لم تمسوهن، وإما ظرفية زمانية مصدرية، أي مدة لم تمسوهن.
﴿مَتاعاً﴾ اسم أقيم مقام التمتع، وهو منصوب على المصدر، أي متعوهن متاعا ﴿حَقًّا﴾ منصوب أيضا على المصدر، وتقديره: حقّ ذلك حقا ﴿فَنِصْفُ﴾ مرفوع إما مبتدأ وخبره محذوف وتقديره: فعليكم نصف ما فرضتم وإما خبر مبتدأ محذوف وتقديره: فالواجب نصف ما فرضتم ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ أن: حرف ناصب، والنون في يعفون نون النسوة، فهي علامة جمع، لا علامة رفع، وإذا اتصلت بالفعل المضارع صار مبنيا، كاتصاله بنون التوكيد. ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ مبتدأ وخبر.
﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ كنّى تعالى بالمسّ عن الجماع تأديبا للعباد في اختيار أحسن الألفاظ في التخاطب. الخطاب في قوله ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾ و ﴿لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ عام للرجال والنساء، ولكن بطريق التغليب. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ﴾ إظهار لفظ الجلالة لتربية المهابة والخوف.
المفردات اللغوية:
﴿لا جُناحَ﴾ لا إثم ولا تبعة عليكم، والمراد لا شيء عليكم ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ تجامعوهن ﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ أي ولم تفرضوا لهن فرضا أي تقدروا لهن مقدارا توجبونه على أنفسكم وهو المهر، أي لا تبعة ولا مسئولية عليكم بإثم ولا مهر في الطلاق زمن عدم المسيس وعدم فرض المهر. ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي فطلقوهن وأعطوهن ما يتمتعن به ﴿عَلَى الْمُوسِعِ﴾ الغني منكم ﴿الْمُقْتِرِ﴾: الفقير ﴿قَدَرُهُ﴾: أي قدر الإمكان والطاقة.
﴿مَتاعاً﴾ أي متعوهن تمتيعا ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شرعا، وهو صفة ﴿مَتاعاً﴾. ﴿حَقًّا﴾ صفة ثانية أو مصدر مؤكد أي حق ذلك حقا ثابتا واجبا. والمعروف: ما يتعارفه الناس ويليق بهم بحسب اختلاف أصنافهم ومعايشهم وبيئاتهم. ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ المطيعين الذين يحسنون في معاملة المطلقات.
﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾: لكن إذا ترك الزوجات المطلقات حقهن ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ وهو الولي يعني: إلا أن تعفو المطلقات عن أزواجهن، فلا يطالبنهم بنصف المهر، إن كن مالكات أنفسهن، أو يسقط الولي الذي يلي عقد النكاح ما وجب للمطلقات قبل الدخول من نصف الصداق، إن لم يكنّ مالكات أنفسهن. والولي: هو الأب في ابنته البكر، وهو رأي مالك وابن عباس وجماعة من التابعين. وقيل: هو الزوج، وعفوه: تركه ما يعود إليه من نصف المهر الذي أعطاه للمرأة. ويكون المعنى: إلا أن يعفو المطلقات، أو يعفو الزوج عن نصف الصداق، فيجعل المهر كله لها، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي في قوله الجديد، والثوري وابن شبرمة والأوزاعي، وهو رأي علي وشريح وسعيد بن المسيب، وحجتهم: أن الله قال: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ وليس إعطاء المرء مال غيره فضلا، فلا ينطبق على الولي.
وحجة الفريق الأول: أن الخطاب في أول الآية للأزواج، فلو أراد الزوج، لقال: أو يعفو، ولا موجب لمخالفة مقتضى الظاهر. ولأن معنى ﴿يَعْفُونَ﴾، يسقطن وكذلك معنى ﴿يَعْفُوَا﴾ يسقط، والولي هو الذي يسقط، أما الزوج فيعطي.
قال الزمخشري: والأول ظاهر الصحة، وتسمية الزيادة على الحق عفوا فيها نظر (¬١).
﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ أي أن يتفضل بعضكم على بعض، والفضل: المودة والصلة.
﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ خبير بأعمالكم، فيجازيكم عليها.
سبب النزول:
روي أنها نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة، ولم يسم لها صداقا، ثم طلقها قبل أن يمسها، فنزلت هذه الآية، فقال له ﷺ: «أمتعها ولو بقلنسوتك» (¬٢).
التفسير والبيان:
لا شيء عليكم أيها الأزواج من الصداق المسمى أو مهر المثل إن لم يسمّ المهر إن طلقتم النساء قبل الدخول وقبل تحديد أو تقدير مهر لهن. وقد دل على أن الجناح هنا تبعة المهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً، فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ فأوجب نصف المهر في مقابله. وقوله ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: بمعنى إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة: تسمية المهر، لأن المطلقة قبل الدخول بها إن سمي لها مهر، فلها نصف المهر المسمى، وإن لم يسم، فليس لها نصف مهر المثل، ولكن المتعة. وقال بعضهم: إن ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو.
وإنما الواجب عليكم المتعة، أي إعطاء المطلقات شيئا من أموالكم يتمتعن به بحسب حالكم من الثروة والغنى والمنزلة والفقر، جبرا للخاطر، ولم يحدده الله تعالى، وإنما ترك تقديره لحالة الزوج من غنى وفقر حسب الطاقة. وكان ابن