﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا﴾: تلك: مبتدأ، والرسل: صفة له أو عطف بيان، وفضلنا: جمله فعلية في موضع رفع خبر المبتدأ ولم يقل: ذلك، وقال: تلك، مراعاة لتأنيث لفظ الجماعة ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾ من: اسم موصول يفتقر إلى صلة وعائد، فصلته: ﴿كَلَّمَ اللهُ﴾ والعائد محذوف تقديره: كلمه الله، وهو وصلته: في موضع رفع مبتدأ، وخبره: منهم.
البلاغة:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ أشار بالبعيد لعلو مرتبتهم في الكمال وسمو درجتهم.
﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾ يسمى في البلاغة: التقسيم، وهو تفصيل ذلك التفضيل. ويوجد طباق بين قوله: ﴿آمَنَ﴾ و ﴿كَفَرَ﴾.
كرر جملة ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ﴾ في الآية، ويسمى ذلك إطنابا، لتأكيد المقصود.
المفردات اللغوية:
﴿فَضَّلْنا﴾ بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾ كموسى ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ﴾ أي محمدا ﷺ ﴿دَرَجاتٍ﴾ على غيره بعموم الدعوة، وأنه رحمة للعالمين، وختم النبوة، وتفضيل أمته على سائر الأمم، والمعجزات المتكاثرة والخصائص العديدة ﴿الْبَيِّناتِ﴾ الآيات الواضحات الدالات على رسالته ﴿وَأَيَّدْناهُ﴾ قويناه ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ جبريل يسير معه حيث سار. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ﴾ مشيئة إلجاء وقسر. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي الأمم التي أتت بعد الرسل ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ﴾
ثبت على إيمانه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ كالنصارى بعد المسيح واليهود بعد موسى، والكفر: ضد الإيمان، وهو أيضا جحود النعمة، وهو ضد الشكر ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ من توفيق من شاء وخذلان من شاء.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصة طالوت وجالوت وداود، وأعقبها بقوله:
﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ليقيم الدليل بمعرفة تلك القصص على أن محمدا ﷺ من المرسلين الذين أوحي إليهم الوحي المبين لأحوال الماضين.
ذكر تعالى هنا أن الرسل درجات، ميّز الله بعضهم على بعض، بمزايا ومناقب ليست لغيره، وأن أحوال الناس عموما في اتباع الرسل: إما مؤمنون وإما كفار، وإما مسالمون وإما متقاتلون، لحكمة ربانية مردها إلى قضاء الله وقدره.
التفسير والبيان:
هؤلاء الرسل المشار إليهم في الآية السابقة: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ على مراتب في الكمال، وقد فضل الله بعضهم على بعض بتخصيصه بمآثر أو خصائص أو مفاخر جليلة ليست لغيره، مع استوائهم جميعا في اختيارهم لتبليغ الرسالة الإلهية وهداية الناس إلى سعادة الدنيا والآخرة.
وجاءت عبارة التفضيل في آية أخرى هي: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ، وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ [الإسراء ٥٥/ ١٧] وهنا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾.
من هؤلاء الرسل: من فضله الله بأنه كلمه مشافهة من غير واسطة وهو موسى ﵇: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ [النساء ١٦٤/ ٤]، ﴿وَلَمّا جاءَ
ومنهم من رفعه الله على غيره درجات ومراتب في الفضل والشرف، والمراد به محمد ﷺ، كما رواه الطبري عن مجاهد، ويؤيده السياق أيضا.
وتفضيله بأوجه ذكرناها، وبأوجه أخرى منها رؤيته الأنبياء في السموات ليلة الإسراء والمعراج بحسب تفاوت منازلهم عند الله ﷿، ومنها سمو أخلاقه الشريفة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم ٤/ ٦٨]، ومنها تأييده بالقرآن الخالد إلى يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر ٩/ ١٥] وقال في فضل القرآن: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء ٩/ ١٧] ومنها تفضيل أمته: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [آل عمران ١١٠/ ٣] وجعل أمته وسطا بين الأمم عدولا وشهداء على الأمم:
ولو لم يؤت من المعجزات والخصائص إلا القرآن وحده، لكفى به فضلا على سائر الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية أبد الدهر،
روى البخاري أنه ﷺ قال: «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة».
وروى مسلم والترمذي عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: «فضّلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون».
وآتى الله عيسى بن مريم ﵇ البينات: وهي الآيات الواضحات التي يتبين بها الحق من الباطل، كتكليمه في المهد، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه