﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧)﴾
الشرح: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ أي: متولّي أمورهم، وناصرهم على أعدائهم. هذا؛ ويكثر قوله تعالى: ﴿ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ فالولي: من يتولّى شئون غيره، والنّصير: المعين والمساعد، والفرق بينهما أنّ الولي قد يضعف عن النّصرة، والمعاونة، والنّصير قد يكون أجنبيّا من المنصور، فبينهما عموم، وخصوص من وجه. هذا؛ والولي لله: العارف بالله تعالى على حسب ما يمكن المواظبة على الطّاعات، المعرض على الانهماك في اللّذات والشّهوات. وفيه وجهان: أحدهما: أنّه فعيل بمعنى مفعول، كقتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح، فعلى هذا هو من يتولّى الله حفظه، ورعايته، فلا يكله إلى غيره، ونفسه طرفة عين، كما قال تعالى:
﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ،﴾ والوجه الثاني: أنّه فعيل مبالغة من فاعل، كرحيم، وعليم، بمعنى:
راحم، وعالم، فعلى هذا هو من يتولّى عبادة الله تعالى، من غير أن يتخلّلها عصيان، أو فتور، وكلا المعنيين شرط في الولاية، فمن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أنّه من شرط النّبيّ أن يكون معصوما، فكلّ من كان للشرع عليه اعتراض؛ فليس بوليّ، بل هو مغرور مخادع، ذكره الإمام أبو القاسم القشيري، وغيره من أئمة الطّريقة، رحمهم الله تعالى من شرح ألفاظ الزبد للشّيخ أحمد بن حجازي الفشني، رحمه الله تعالى، وربنا يقول في الحديث القدسيّ: «من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب» انظر الآية رقم [٢٧٩] الآتية.
﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ:﴾ الظلمات: جمع ظلمة، وهي الكفر، والجهل، والظلم، ونحو ذلك، وإنّما جمعها لتعدّد فنون الضّلال، والمعاصي. ﴿النُّورِ:﴾ الهدى، والإيمان، وإنّما لم يجمع؛ لأن الإيمان واحد لا يتعدّد بخلاف الضّلال، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٥٣]: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
وقال الشاعر الحكيم: [البسيط]
الطّرق شتّى وطرق الحقّ مفردة... والسّالكون طريق الحقّ أفراد
لا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم... فهم على مهل يمشون قصّاد
والنّاس في غفلة عمّا يراد بهم... فجلّهم عن سبيل الحقّ رقّاد
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ المراد به الجمع، ولذا قرئ: (الطّواغيت)، وفسر بكعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، وسائر رءوس الضّلالة في كلّ زمان، ومكان.
Juz 1, halaman 614 ›
﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ:﴾ في معنى هذا الإخراج قولان: إما في مقابلة الأول، أو فيمن آمن من اليهود بالنّبي ﷺ قبل وجوده، وبعثته، كما رأيته فيما سبق في الآية رقم [٨٩] ثمّ كفر به بعد بزوغ فجر الإسلام. هذا؛ وإنّ في الكلام استعارة؛ حيث استعير لفظ الظّلمات للكفر، وما يتعلق به، والجامع بينهما عدم الاهتداء، واستعير لفظ النّور للإيمان بجامع الاهتداء في كلّ منهما. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ:﴾ جعل الله الكفار أصحاب النار، بمعنى مالكيها بملازمتهم لها، وعدم انفكاكهم عنها، وقل مثله في ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾. ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ:﴾
مقيمون، ماكثون، لا محيد لهم عنها، ولا محيص، قال رسول الله ﷺ: «أمّا أهل النّار، الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها، ولا يحيون، ولكن أقوام أصابتهم النّار بخطاياهم، فأماتتهم إماتة حتّى إذا صاروا فحما أذن لهم في الشّفاعة» رواه مسلم من حديث شعبة عن أبي سلمة-﵁، والمذكورون في آخر الحديث هم عصاة المسلمين يدخلون النار، ويعذّبون على حسب جرائمهم، ثمّ يخرجون منها حمما ثمّ يدخلون الجنة.
هذا و ﴿أَصْحابُ﴾ جمع: صاحب، ويكون بمعنى المالك كما هنا، ويكون بمعنى الصّديق، ويجمع أيضا على صحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على أصاحيب، والصّحابيّ: هو من اجتمع مع الرّسول ﷺ في حياته ولو ساعة بشرط أن يكون مسلما موحّدا، فإن اجتمع بالنبي ﷺ وجالسه في حياته وهو غير مؤمن ثمّ آمن به بعد وفاته، مثل كعب الأحبار؛ فيقال عنه: تابعي.
الإعراب: ﴿اللهُ وَلِيُّ:﴾ مبتدأ، وخبر، و ﴿وَلِيُّ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿آمَنُوا:﴾
فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿يُخْرِجُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وجوز الاستئناف، وهو ضعيف. ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ:﴾
كلاهما متعلقان بالفعل ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾ مبتدأ أول، وجملة: ﴿كَفَرُوا..﴾. إلخ مع المتعلق المحذوف صلته، ﴿أَوْلِياؤُهُمُ:﴾ مبتدأ ثان، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الطّاغُوتُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿الَّذِينَ،﴾ والجملة الاسمية هذه معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. ﴿يُخْرِجُونَهُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية يجوز فيها ما جاز بسابقتها. ﴿مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل لها، ﴿أَصْحابُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه من إضافة جمع اسم
Juz 1, halaman 615 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.