﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم موصول معطوف على ما قبله. ﴿خَلْفَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾):
نافية. ﴿يُحِيطُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿بِشَيْءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ عِلْمِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة (شيء)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، ﴿بِما:﴾ بدل من قوله: ﴿بِشَيْءٍ﴾ كما تقول: ما مررت بأحد إلا بزيد، و (﴿ما﴾) تحتمل الموصولة والموصوفة. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: إلا بالذي، أو: بشيء شاءه، وجملة: ﴿وَلا يُحِيطُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.
﴿وَسِعَ:﴾ فعل ماض. ﴿كُرْسِيُّهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿السَّماواتِ:﴾
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم، ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَسِعَ..﴾. إلخ تحتمل ما ذكرت من أوجه. ﴿وَلا:﴾
الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يَؤُدُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعوله. ﴿حِفْظُهُما:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، (﴿هُوَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ:﴾
خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية تحتمل الأوجه الثلاثة التي ذكرت فيما مضى قبلها، بعد هذا ينبغي أن تعلم: أنّ كل جملة في الآية الكريمة مستقلة، ويجوز الوقف على آخرها.
الشرح: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ..﴾. إلخ المعنى: لا تكرهوا أحدا على الدّخول في دين الإسلام، فإنّه بيّن واضح، وجليّ؛ دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونوّر بصيرته؛ دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه، وبصره، فإنّه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا. هذا، والدّين اسم لجميع ما يتعبّد به الله تعالى. هذا، والدّين يطلق على العادة، والشأن، والحال، كما في قول امرئ القيس في معلقته رقم [١٠]: [الطويل]
كدينك من أمّ الحويرث قبلها... وجارتها أمّ الرّباب بمأسل
هذا، والدّين أيضا: الملّة، والشريعة، ومنه قوله تعالى في سورة (يوسف) رقم [٧٦]: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ،﴾ ويوم الدين: يوم الجزاء والحساب، ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى. هذا؛ والدّين بفتح الدال القرض المؤجّل، وجمع الأول:
أديان: وجمع الثاني: ديون وأدين. هذا؛ والدّينونة: القضاء، والحساب. والدّيانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى. ﴿قَدْ تَبَيَّنَ:﴾ يقال: تبين الشيء وبان، وأبان، واستبان كلّه بمعنى واحد، وهو لازم. وقد يستعمل بعضها متعدّيا، ﴿الرُّشْدُ:﴾ الاهتداء، والاستقامة على طريق الحقّ، وضدّه: الغيّ، والضّلال، يقال: رشد، يرشد، رشدا، ورشد، يرشد، رشدا، فالأول من الباب الأول، والثاني من الباب الرّابع.
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ:﴾ هو الأصنام، أو الشيطان، أو الكاهن، وكلّ رأس في الضلالة وداع إليه، وهو يطلق على المفرد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، واشتقاقه من: طغى، يطغى، أو من: طغا يطغو: إذا تجاوز الحدّ، ومنه قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ ويجمع على: طواغيت، ولم يرد في القرآن الكريم بلفظ الجمع، والكفر بالطاغوت:
عدم الرضا به، وعدم الانقياد له. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ أي: فقد تمسّك بالدّين بأقوى سبب، والعروة في الأصل موضع شدّ اليد، وأصل المادة تدل على التعلّق، ومنه: عروته إذا ألمحت به متعلقا به، واعتراه الهمّ تعلّق به. ﴿الْوُثْقى:﴾ تأنيث الأوثق، وهي للتفضيل، كفضلى تأنيث الأفضل، وجمع الوثقى: الوثق، مثل: الفضلى، والفضل، وفي الآية تشبيه، والمشبه به:
الإيمان، وقيل: استعارة تمثيلية؛ حيث شبه المستمسك بدين الإسلام بالمستمسك بالحبل المحكم، وعدم الانفصام ترشيح.
﴿لا انْفِصامَ:﴾ لا انقطاع لها، والانفصام في اللغة: الانكسار من غير بينونة، والفصم: كسر مع بينونة، وفي صحيح الحديث عن عائشة-﵂: «فيفصم عنه-ﷺ-الوحي؛ وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا». وخذ قوله تعالى في سورة (لقمان): ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾. هذا؛ ولما كان الكفر بالطّاغوت، والإيمان بالله ما ينطق به اللسان، ويعتقده القلب؛ حسن قوله تعالى: ﴿سَمِيعٌ﴾ من أجل النّطق، ﴿عَلِيمٌ:﴾ من أجل المعتقد.
تنبيه: خذ سبب الآية الكريمة فيما يروى عن ابن عباس-﵄-قال: كانت المرأة من الأنصار قبل الإسلام لا يعيش لها ولد، فكانت تنذر: لئن عاش لها ولد؛ لتهوّدنّه، فإذا عاش جعلته في اليهود، فجاء الإسلام، وفيهم منهم، فلمّا أجليت بنو النضير، كان فيهم عدد من أولاد الأنصار، فأرادوا استردادهم، وقالوا: هم أبناؤنا، وإخواننا، فنزلت الآية الكريمة، فقال رسول الله ﷺ: «قد خيّر أصحابكم فإن اختاروكم؛ فهم منكم، وإن اختاروهم؛ فأجلوهم معهم».
وقيل: كان لرجل من الأنصار، يقال له: أبو الحصين ابنان متنصّران قبل الإسلام، ثم قدما المدينة المنوّرة في نفر من النّصارى يحملون الزيت. فلزمهما أبوهما، وقال: لا أدعكما حتّى
تسلما، فاختصموا إلى النبي ﷺ، فقال الأب: يا رسول الله! أيدخل بعضي النار؛ وأنا أنظر إليه؟! فنزلت الآية الكريمة، فخلّى سبيلهما، وقيل: نزلت في أهل الكتاب؛ إذا قبلوا بذل الجزية، لم يكرهوا على الإسلام. انتهى. خازن.
هذا واختلف في هذه الآية، فقيل: إنّها منسوخة؛ لأنّ النبي ﷺ أكره العرب على الإسلام، وقاتلهم، ولم يرض منهم إلا الإسلام، فنسختها الآية في سورة التّوبة، وفي سورة التّحريم، وهي قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ وقال الرسول ﷺ: «أمرت أن أقاتل النّاس؛ حتّى يقولوا: لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها؛ عصموا منّي دماءهم وأموالهم...».
وقيل: إنّها ليست بمنسوخة، وإنّما نزلت في أهل الكتاب خاصّة، وأنّهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدّوا الجزية، والذين يكرهون: أهل الأوثان، فلا يقبل منهم إلا الإسلام، فهم الّذين نزل فيهم: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ﴾ والحجّة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه، قال:
سمعت عمر بن الخطاب-﵁-يقول لعجوز نصرانيّة: أسلمي أيتها العجوز؛ تسلمي، إنّ الله بعث محمدا بالحقّ، قالت: أنا عجوز، والموت إليّ قريب، فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ..﴾. إلخ، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِكْراهَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِي الدِّينِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿تَبَيَّنَ:﴾ فعل ماض. ﴿الرُّشْدُ:﴾ فاعله. ﴿مِنَ الْغَيِّ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿تَبَيَّنَ،﴾ وهما في محل نصب مفعول به، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الرُّشْدُ﴾ والجملة الفعلية مفيدة للتعليل، لا محل لها، ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكْفُرْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِالطّاغُوتِ:﴾ متعلقان به. ﴿وَيُؤْمِنْ:﴾ معطوف على ما قبله مجزوم مثله والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به، ﴿فَقَدِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق مثل سابقه. ﴿اِسْتَمْسَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد. ﴿بِالْعُرْوَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْوُثْقى:﴾ صفة (العروة) مجرورة مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذّر، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لا انْفِصامَ لَها:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ،﴾ وهي في محل جر صفة ثانية ل (عروة)، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدّم، والرابط على الاعتبارين الضمير، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ:﴾
معترضة في آخر الكلام، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.