بوجود العرش والكرسي، كما ورد في القرآن، ولا يجوز إنكار وجودهما؛ إذ في قدرة الله متسع لكل شيء. ولا يثقله تعالى حفظ السموات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه.
وهو المتعالي عن الأنداد والأشباه، وأعظم من كل شيء، لا تحيط به العقول والمدارك، ولا يعرف حقيقته إلا هو ﷾. وهذا كقوله: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾ والمقصود بالعلو: علو القدر والمنزلة، لا علو المكان؛ لأن الله منزّه عن التحيّز في المكان. وفسر بعضهم العلي: بأنه القاهر الغالب للأشياء.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية تملأ القلب مهابة من الله وعظمته وجلاله وكماله، فهي تدل على أن الله تعالى متفرد بالألوهية والسلطان والقدرة، قائم على تدبير الكائنات في كل لحظة، لا يغفل عن شيء من أمور خلقه، وهو مالك كل شيء في السموات والأرض، لا يجرأ أحد على شفاعة بأحد إلا بإذنه، ويعلم كل شيء في الوجود، ويحيط علمه بكل الأمور وأوضاع الخلائق دقيقها وعظيمها، ويظل بالرغم من التدبير للخلائق والعلم المحيط بالأشياء هو العلي الشأن، القاهر الذي لا يغلب، العظيم الملك والقدرة على كل شيء سواه، فلا موضع للغرور، ولا محل لعظمة أمام عظمة الله تعالى.
﴿لا انْفِصامَ لَها﴾: هذه الجملة في موضع نصب على الحال من ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ التي هي ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾.
﴿أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ أولياء: مبتدأ، والطاغوت خبره، وبما أن خبر المبتدأ يكون على وفق المبتدأ، فيجب أن يكون الطاغوت جمعا؛ لأن أولياء جمع، والطاغوت: تصلح للواحد والجمع. وأصل طاغوت: طغيوت، إلا أنهم قلبوا الياء التي هي لام إلى موضع العين، فصار طيغوتا، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار طاغوتا.
البلاغة:
﴿اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾: استعارة تمثيلية، حيث شبه المتمسك بدين الإسلام بالمتمسك بالحبل المحكم. وعدم الانفصام ترشيح.
﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ استعارة تصريحية، حيث شبه الكفر بالظلمات، والإيمان بالنور.
المفردات اللغوية:
﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ لا جبر ولا إلجاء على الدخول في الدين، والدين هنا: المعتقد والملة بقرينة قوله: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ أي ظهر بالآيات البينات الواضحات أن الإيمان رشد، والكفر غي، والرشد والرشاد: الهدى وكل خير، وضده الغي أي الضلال في الاعتقاد أو الرأي. أما الجهل فهو كالغي إلا أنه في الأفعال لا في الاعتقاد.
﴿بِالطّاغُوتِ﴾ الشيطان أو الأصنام، مأخوذ من الطغيان: وهو مجاوزة الحد في الشيء.
ويجوز تذكيره وتأنيثه وإفراده وجمعه، ويتحدد المراد بحسب المعنى.
﴿اِسْتَمْسَكَ﴾ تمسك ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ بالعقد المحكم. والعروة: من الدلو والكوز ونحوهما: المقبض الذي يمسك به من يأخذهما. والوثقى: مؤنث الأوثق: وهو الحبل الوثيق المحكم. ويجوز أن يراد بالعروة الوثقى: الشجر الملتف ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ لا انقطاع لها.
﴿اللهُ وَلِيُّ﴾ الولي: الناصر والمعين، أي أن الله يتولى أمور المؤمنين بالرعاية والعناية والهداية ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ الكفر والضلالات ﴿إِلَى النُّورِ﴾ الإيمان.
وأفرد النور وجمع الظلمات؛ لأن الحق واحد لا يتعدد، وأما أنواع الضلال والكفر فكثيرة، كما قال ابن كثير.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٥٦):
أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: نزلت: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ في رجل من الأنصار من بني سالم يقال له: الحصين (¬١)، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو مسلما، فقال للنبي ﷺ: ألا أستكرههما، فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله الآية.
وفي رواية: أنه حاول إكراههما، فاختصموا إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله: أيدخل بعضي النار، وأنا أنظر؟ فنزلت، فخلاهما.
وروى أبو داود والنسائي وابن حبان عن ابن عباس قال: كانت المرأة من نساء الأنصار تكون مقلاة (¬٢)، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده، فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾.
نزول الآية (٢٥٧):
أخرج ابن جرير الطبري عن عبدة بن أبي لبابة في قوله: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال: هم الذين كانوا آمنوا بعيسى فلما جاءهم محمد ﷺ آمنوا به وأنزلت فيهم هذه الآية.