﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: ﴿اللهُ﴾ مبتدأ أول، و ﴿لا﴾: نافية للجنس، و ﴿إِلهَ﴾: اسمها، وخبرها محذوف تقديره: لا إله معبود إلا هو، والجملة مبتدأ ثان، و ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل مرفوع على البدل من موضع: ﴿لا إِلهَ﴾، ويجوز رفعه خبرا لكلمة: ﴿لا﴾.
و ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: مرفوعان إما صفة لله تعالى، أو بدل من ﴿هُوَ﴾ أو على تقدير مبتدأ. هذا عند ابن الأنباري، والأصح عند العكبري وغيره أن ﴿اللهُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ خبره، وليس بمبتدإ ثان.
البلاغة:
في الآية حسن افتتاح بأجل أسماء الله تعالى، وفيها تكرار اسمه ظاهرا ومضمرا في ثمانية عشر موضعا، وفيها إطناب بتكرير الصفات، وقطع الجمل حيث لم يصلها بحرف العطف، لأنها كلها في حكم البيان، وطباق في ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾. هذا ما قاله أبو حيان في البحر المحيط (٢٨١/ ٢) وعدّ أحمد ﵀ سبعة عشر موضعا فيها اسم الله تعالى ظاهرا وخفيا، فالظاهر ستة عشر وهي: الله، هو، الحي، القيوم، ضمير لا تأخذه، وضمير له، وضمير عنده، وضمير إلا بإذنه، وضمير يعلم، وضمير علمه، وضمير شاء، وضمير كرسيه، وضمير: ولا يؤده، وهو العلي، العظيم. وأما الخفي: فالضمير الذي اشتمل عليه مصدر: حفظهما، فإنه مصدر مضاف إلى المفعول، ولا بد له من فاعل وهو الله (حاشية الكشاف: ٢٩٢/ ١).
﴿اللهُ﴾ هو المعبود بحق، والعبادة: استعباد الروح وإخضاعها لسلطة غيبية لا تحيط بها علما، ولا تدرك حقيقتها ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ لا معبود بحق في الوجود سوى الله ﴿الْحَيُّ﴾: الدائم البقاء أو ذو الحياة، والحياة صفة لله تعالى تستلزم اتصافه بالعلم والإرادة والقدرة ﴿الْقَيُّومُ﴾ دائم القيام أو القائم بتدبير خلقه في آجالهم وأعمالهم وأرزاقهم، وحفظهم ورعايتهم، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد ٣٣/ ١٣]. ﴿لا تَأْخُذُهُ﴾ الأخذ: الغلبة والاستيلاء ﴿سِنَةٌ﴾ نعاس وهو فتور قبل النوم. والنوم: حال تعرض للحي، بها تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس والشعور. ﴿كُرْسِيُّهُ﴾ علمه الإلهي بدليل قوله تعالى: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر ٧/ ٤٠] ولأن أصل الكرسي: العلم، ومنه يقال للعلماء: كراسي، للاعتماد عليهم، وقيل: المراد بها عظمته ولا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد، كقوله تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧/ ٣٩]، وقيل: ملكه، وقال الحسن البصري: الكرسي هو العرش. قال ابن كثير في تفسيره (٣١٠/ ١): والصحيح أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار.
﴿وَلا يَؤُدُهُ﴾: ولا يثقله ولا يشق عليه حفظ السموات والأرض ومن فيهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، وهو الغني الحميد، الفعال لما يريد، وهو القاهر لكل شيء، العلي العظيم لا إله غيره ولا رب سواه. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ العلي: المتعالي عن الأشباه والأنداد وهو فوق خلقه بالقهر، والعظيم: هو الكبير الذي لا شيء أعظم منه ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ مثل قوله: وهو ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾.
فضل آية الكرسي: آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية، وقد صح الحديث عن رسول الله ﷺ بأنها أفضل آية في كتاب الله، وفيها اسم الله الأعظم،
قال أبو بكر بن مردويه بسنده عن أبي أمامة مرفوعا إلى النبي ﷺ قال: «اسم الله الأعظم الذي إذ دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة، وآل عمران، وطه» قال هشام بن عمار خطيب دمشق: أما البقرة فقوله: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وفي آل عمران: ﴿الم. اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾.
ووردت أحاديث كثيرة أخرى في فضلها، منها
«سيد الكلام: القرآن، وسيد القرآن:
البقرة، وسيد البقرة: آية الكرسي»، ومنها
«من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة، كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال والإكرام، وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى يستشهد» ومنها:
كل صلاة مكتوبة آية الكرسي، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» (¬١).
وعن علي ﵁ قال: «سمعت نبيكم ﷺ يقول، وهو على أعواد المنبر: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه، آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره، والأبيات حوله».
وقال ابن كثير: هذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة، متعلقة بالذات الإلهية، وفيها تمجيد الواحد الأحد (¬٢).
المناسبة:
ذكر تعالى في الآيات السابقة أن العمل الصالح الفردي هو أساس النجاة، فلا ينفع المال والشفاعة والصداقة والمودة، وأن الرسل صلوات الله عليهم-وإن تفاوتوا في الفضل-إلا أن دعوتهم واحدة ورسالتهم واحدة ودينهم واحد قائم على دعوة التوحيد وصون الفضائل والأخلاق وعبودية الله تعالى، ثم جاءت آية الكرسي لتقرر أصل التوحيد وأساس العبادة، ولتحصر الاتجاه بأي عمل نحو الله تعالى، وليستشعر العبد عظمة الله وسلطانه، ويطيع أوامره، ويذعن لأحكامه.
التفسير والبيان:
الله هو المتفرد بالألوهية لجميع الخلائق، فلا معبود بحق في الوجود إلا هو، وهو الواحد الأحد الفرد الصمد، الواجب الوجود، ذو الملك والملكوت، الحي الباقي الدائم الذي لا يموت، القائم بذاته على تدبير خلقه، كقوله: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم ٢٥/ ٣٠]، الذي لا يشبه أحد من خلقه في الذات ولا في الصفات، ولا في الأفعال، كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١/ ٤٢].