ويجوز أن تبني الأول، وتنصب الثاني؛ وتنوّنه، وشواهده في كتب النّحو قول الآخر، وهو الشّاهد رقم [٣٠٤] من كتابنا فتح ربّ البريّة: [السريع]
لا نسب اليوم، ولا خلّة... اتّسع الخرق على الرّاقع
ويجوز في غير القرآن أيضا أن ترفع الأول، وتبني الثاني، وشواهده في كتب النحو قول أميّة ابن أبي الصّلت، وهو الشاهد رقم [٣٠٣] من كتابنا المذكور: [الوافر]
فلا لغو ولا تأثيم فيها... وما فاهوا به أبدا مقيم
وهذه الأوجه كلّها تجري في الجملة: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». وخذ قول ابن مالك ﵀ في ألفيته مقرّرا جميع الوجوه الّتي ذكرتها، وزيادة: [الرجز]
وركّب المفرد فاتحا كلا... حول ولا قوّة، والثاني اجعلا
مرفوعا أو منصوبا، أو مركّبا... وإن رفعت أوّلا لا تنصبا
بعد هذا فجملة: ﴿لا بَيْعٌ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ﴿يَوْمٌ،﴾ والرابط: الضمير المجرور ب (في) وما بعدها معطوف عليها، إما جملة، أو إفرادا، كما رأيت تفصيله. (﴿الْكافِرُونَ﴾): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿هُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر الأول. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا لا محل له، ﴿الظّالِمُونَ﴾ خبر (﴿الْكافِرُونَ﴾) وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام أفادت التهديد والوعيد لمانعي الزّكاة، والصدقات.
الشرح: هذه الآية سيدة آي القرآن، وأعظم آية، نزلت ليلا، ودعا النّبيّ ﷺ زيد بن ثابت ﵁، فكتبها، وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة، ترغّب في قراءتها في جميع الأحوال، في دبر الصّلوات الخمس، وعند النّوم، وفي الصّباح، والمساء، وهي حفظ من الشياطين، والمردة، والسحرة، والمعتدين، والظّالمين، أكتفي بما يلي:
عن أبيّ بن كعب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا المنذر أتدري أيّ آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فضرب في صدري،
وقال: «ليهنك العلم يا أبا المنذر» أخرجه مسلم، وغيره، وزاد الترمذيّ الحكيم في روايته:
«فو الّذي نفسي بيده إنّ لهذه الآية لسانا، وشفتين تقدّس الملك عند ساق العرش».
ومن حديث أبي ذر-﵁-الطويل، قال: سألت رسول الله ﷺ: أيّ آية أنزل الله عليك من القرآن أعظم؟ ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ..﴾. إلخ.
وقال ابن عباس ﵄: أشرف آية في القرآن آية الكرسيّ، قال بعض العلماء:
لأنّه يكرّر فيها اسم الله تعالى بين مضمر، وظاهر ثماني عشرة مرّة.
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ إخبار بأنّه سبحانه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق. ﴿اللهُ:﴾ علم على الذّات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلّف شروط الإجابة، الّتي أعظمها أكل الحلال. ولم يسمّ به أحد سواه، قال تعالى في سورة (مريم) رقم [٦٥]: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل تسمّى أحد (﴿اللهُ﴾) غير (﴿اللهُ﴾)؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين، وثلاثمائة وستين موضعا، علما بأنّه لم يذكر في سورتي الرّحمن، والواقعة. ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي: الحيّ في نفسه؛ الذي لا يموت أبدا، القيّم لغيره، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غنيّ عنها، ولا قوام لها بدون أمره، وهما اسمان من أسماء الله الحسنى، وأصل ﴿الْحَيُّ:﴾
الحيي بياءين متحركتين، فسكنت الأولى، ثمّ أدغمت في الثانية، وأصل ﴿الْقَيُّومُ:﴾ القيووم؛ لأنّه من: قام بالأمر يقوم، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، قال الشّاعر: [الخفيف]
إنّ ذا العرش للّذي يرزق النّا... س وحيّ عليهم قيّوم
﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ أي: لا يعتريه نقص، ولا غفلة، ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كلّ نفس بما كسبت، شهيد على كلّ شيء، لا يغيب عن علمه شيء في الأرض، ولا في السّماء، وهو السّميع العليم، و (السّنة) بكسر السين: النّعاس في قول الجميع، قال عديّ بن الرقاع العاملي: [الكامل]
وسنان أقصده النّعاس فرنّقت... في عينه سنة، وليس بنائم
وفرّق المفضل بينهما، فقال: السّنة في الرأس، والنّعاس في العين، والنّوم في القلب، وبالجملة: السّنة والنعاس فتور يعتري الإنسان، ولا يفقد معه عقله، والمراد بهذه الآية: أنّ الله تعالى لا يدركه خلل، ولا يلحقه ملل بحال من الأحوال، والأصل في ﴿سِنَةٌ﴾ وسنة؛ حذفت الواو، كما حذفت من يسن الماء والأصل: وسن، يسن؛ مثل: وعد، يعد. هذا؛ والوسن أيضا النّعاس، قال المتنبّي أبو الطّيب: [البسيط]
أبلى الهوى أسفا يوم النّوى بدني... وفرّق الهجر بين الجفن والوسن
وهذا هو الشاهد رقم [٩٦٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».
هذا؛ والنّوم قسمان: نوم العين، ونوم القلب، فنوم العين: فترة طبيعية، تعتري الإنسان، وتتعطّل حواسّه بها، وأمّا نوم القلب؛ فهو تعطيل القوى المدركة، والثّاني لم يقع منه ﷺ؛ لأنّ قلبه لا ينام، كما في حديث الصّحيحين عنه ﷺ: أنه قال: «إنّ عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي» ورحم الله البوصيري؛ إذ يقول: [البسيط]
لا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له... قلبا إذا نامت العينان لم ينم
وهذا، والمنام مصدر بمعنى النّوم، أو اسم مكان بمعنى موضعه، أو اسم زمان بمعنى زمانه؛ لأنّ مفعلا يصلح لهذا كلّه. هذا وقدمت السّنة بالذّكر؛ لأنّها سابقة في الوجود على النّوم، قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: والنّاس يذكرون في هذا الباب عن أبي هريرة-﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى على المنبر، قال: وقع في نفس موسى: هل ينام الله جلّ ثناؤه، فأرسل الله إليه ملكا. فأرّقه ثلاثا، ثمّ أعطاه قارورتين في كلّ يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما، قال: فجعل ينام، وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ، فينحّي إحداهما عن الأخرى حتى نام نومة، فاصطفقت يداه، فانكسرت القارورتان، قال: ضرب الله له مثلا: أن لو كان ينام؛ لم تمتسك السّماء والأرض، ولا يصحّ هذا الحديث، ضعفه غير واحد، منهم البيهقيّ. انتهى. قرطبي.
وفي مختصر ابن كثير عن ابن عباس-﵄: أنّ بني إسرائيل، قالوا: يا موسى! هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله! فناداه ربّه ﷿: يا موسى! سألوك هل ينام ربّك؟ خذ زجاجتين في يديك، فقم الليلة، ففعل موسى، فلمّا ذهب من الليل ثلث نعس، فوقع لركبتيه، ثم انتعش، فضبطهما حتّى إذا كان آخر الليل؛ نعس، فسقطت الزّجاجتان، فانكسرتا، فقال:
يا موسى لو كنت أنام؛ لسقطت السّماوات والأرض، فهلكت، كما هلكت الزّجاجتان في يديك، فأنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ آية الكرسي، رواه ابن أبي حاتم.
أقول: خذ قوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٤١]: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ انظر شرحها هناك؛ فإنّه جيد، والحمد لله!.
﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾﴿لَهُ:﴾ أي: بالملك التام، الجميع خلقا، وعبيدا في قهره، وتحت سلطانه، وقد ذكر ما فيهما دونهما للردّ على المشركين العابدين لبعض الكواكب، الّتي في السّماء، والأصنام الّتي في الأرض، يعني: فلا تصلح أن تعبد؛ لأنها مملوكة لله، مخلوقة له، والتعبير ب ﴿ما﴾ التي لغير العاقل، للتغليب وفيه ردّ على المشركين الذين قالوا عن الأصنام ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ:﴾ الاستفهام معناه النفي، وفيه ردّ لزعم المشركين: أنّ الأصنام تشفع لهم، وهو كقوله تعالى في سورة (النّجم): ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي﴾