أو جُعل مشارفةً على الكفر، أو تعبيراً باللازم عن الملزوم (¬١) حيث جُعل ترك الزكاة في موضع آخر من صفات الكفار ولوازمهم، فهو على الأول استعارةٌ تَبَعيَّةٌ أو مَجازُ مُشارَفةٍ، وعلى الثاني كنايةٌ أو مجازُ لُزومٍ.
﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ هم الذين ظلموا أنفسهم بترك الإنفاق الواجبِ، وصرفِ المال على غير وجهه، ووضعه في غيرِ موضعه.
والمراد من الحياة في حقِّه تعالى: البقاءُ الذي لا سبيل إليه للفناء مجازاً، وذلك أن الحياة بحسَب اللغة عبارةٌ عن قوَّة مزاجيةٍ تقتضي الحسَّ والحركة، ولا صحة لها في حقّه تعالى، فلا بدَّ من المصيرِ إلى المعنى المجازيِّ المناسِبِ له، وهو البقاء، وإنما وصَفْناه بما ذُكر لأنَّه مستنِدٌ إلى ذاته تعالى، فلا يمكنُ زوالُه.
وأما الذي ذكره المتكلِّمون بقولهم: (الحي: الذي يصحُّ أن يَعْلَم وَيقْدِر) فمعناه
الاصطلاحيُّ الحادثُ، فلا مَساغَ لحمل ما في الكلام القديم عليه، حيث لا يَعرفه أهل اللسان وقتَ نزول القرآن.
وقد ردَّ صاحب "الكشاف" مثلَ هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩]، وجوَّزه هنا (¬١).
والقيوم: القائم بذاته، المقوِّم لغيره.
وقيل: الدائمُ القيام بتدبير الخلق وحفظه، فَيْعولٌ مِن قام بالأمر: إذا حفظه.
﴿لَا تَأْخُذُهُ﴾ الأخذ: التناول ومنه أَخْذُ الشاربِ: قَصُّه وقَطْعُ شيء من شره.
﴿سِنَةٌ﴾ السنة: ثقلةٌ من النُّعاس وفتورٌ يعتري المزاجَ قبل النوم، وليست بداخلةٍ في حدّ النوم على ما دلَّ عليه قولُ عَدِي بنِ الرِّقَاع:
وَسْنانُ أَقْصَدَه النُّعاسُ فرَنَّقَتْ … في عينهِ سِنَةٌ وليس بنائمِ (¬٢)
ولا دلالةَ فيه على أنَّ السِّنَةَ هي النُّعاس كما تُوُهِّمَ.
﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ النوم: حالةٌ تَعرِضُ للحيوان من استرخاءِ أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواسُّ الظاهرة عن الإحساس رأساً؛ أي: لا يعتريهِ ما يعتري المخلوقين من الغفلة والملال والفتور في حفظ ما هو قائم بحفظه، ولا يَعْرِضُ له عوارضُ التعب المحوِجة إلى الاستراحة، فيستريحُ بالنوم والسِّنَة.
فالجملة بيان لـ ﴿الْقَيُّومُ﴾ بأنه مهيمنٌ على مَن يقوِّمه غيرُ غافل عنه، وتأكيدٌ لكونه حيًّا فإن مَن أخذه سنةٌ أو نومٌ كان مؤوفَ الحياة (¬١)، ولذلك تُرك العاطف فيه.
وتقديم السِّنَة على النوم على قياس المبالغة والترقِّي، فإنَّ سلب السِّنَة وإن كان أبلغَ من سَلب النوم لكنَّ سلبَ أَخْذِها ليس بأبلغَ من سلبِ أَخْذِه؛ لِمَا فيه من القوة، فمَن يقدر على دفعها قد لا يقدر على دفعه، فمَن وَهَم أنَّ قياس المبالغةِ عكسُه فقد وَهِم (¬٢)، حيث لم يفرِّق بين سلبهما وسلب أخذِهما.
وأيضاً السِّنةُ من طلائع (¬٣) النوم ومقتضياتِ سببه السابقةِ عليه، فنفيُ النوم بعد نفيها باعتبارِ أنه يستلزِم نفيَ سببه يكون أبلغَ، وأما نفيُ التشبيه فقد حصل بالحيِّ القيُّوم على المعنى المراد منهما.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بيانٌ وتقريرٌ بنفي السِّنَة والنوم؛ لأن الذي يملكهما وما فيهما يحفظُهما وما فيهما بتدبيره، فلا يمكن أن ينام وإلا لزالَتَا عن النظام، ولهذا تَرتَّبَ على ما قبلَه من غير حرفِ عطفٍ، ولو كان تقريراً لقيوميته (¬٤) - كما قيل - لاتَّحد مع ما قبلَه في هذه الجهة، فكان حقَّه أن يُرتَّب عليه بحرفِ عطفٍ.