الثامن، وهو فلك الثوابت، الذي فوقه الفلك التاسع وهو الفلك الأثير. ويقال له: الأطلس. وقد رد ذلك عليهم آخرون.
وروى ابن جرير، من طريق جويبر، عن الحسن البصري، أنه كان يقول: الكرسي: هو العرش. والصحيح: أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه؛ كما دلت على ذلك الآثار والأخبار.
وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد اللَّه بن خليفة، عن عمر في ذلك، وعندي في صحته نظر، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ أي: لا يثقله ولا يكرثه حفظ السموات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء؛ فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة، وهو الغني الحميد، الفعال لما يريد، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، الحسيب على كل شيء، الرقيب العلي العظيم، لا إله غيره ولا رب سواه. فقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله: ﴿وَهُوَ الْكَبيرُ الْمُتَعَال﴾.
وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح: الأجود فيها طريقة السلف الصالح؛ إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.
يقول تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإِسلام فإنه [¬١] بين واضح جلي دلائله وبراهينه، لا حتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه اللَّه للإِسلام وشرح صدره، ونور بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى اللَّه قلبه، وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا [¬٢]، وقد ذكروا أن [¬٣] سبب نزول هنه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًّا.
فقال [¬١] ابن جرير: حدثنا ابن [¬٢] بشار [¬٣] حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاتًا (*) فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تُهَوِّدَه، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا فأنزل اللَّه ﷿: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.
وقد رواه أبو داود، والنسائي، جميعًا عن بندار به (¬١٥٩٣). ومن وجوه أخر عن شعبة، به نحوه.
وقد رواه ابن أبي حاتم (¬١٥٩٤)، وابن حبان في صحيحه، من حديث شعبة به. وهكذا ذكر مجاهد، وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن البصري، رغيرهم: أنها نزلت في ذلك.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد الحرشي [¬٤] مولى (*) زيد بن ثابت، عن عكرمة -أو عن سعيد- عن ابن عباس، قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار -من بني سالم بن عوف يقال له الحصين- كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلًا مسلمًا، فقال للنبي ﷺ: إلا أستكرههما؛ فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل اللَّه فيه ذلك.
رواه ابن جرير. وروى [¬٥] السدي نحو ذلك، وزاد: وكانا قد تنصرا على أيدي [¬٦] تجار قدموا من الشام يحملون زيتًا [¬٧]، فلما عزما على الذهاب معهم أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول اللَّه ﷺ أن يبعث في آثارهما. فنزلت هنه الآية.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عوف، أخبرنا شريك عن أبي هلال، عن أُسَقِ، قال: كنت [] [¬٨] مملوكًا نصرانيًّا لعمر في الخطاب، فكان يعرض على الإسلام، فآبى فيقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. ويقول: يا أُسَقُ؛ لو أسلمت لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين.
وقد ذهب طائفة كبيرة [¬١] من العلماء، أن هذه محمولة على أهل الكتاب، ومن دخل في دينهم قل النسخ والتبديل؛ إذا بذلوا الجزية.
وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال، فإنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف -دين الإِسلام- فإن أبى أحد منهم الدخول فيه، ولم ينقد له، أو [¬٢] يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل.
وفي الصحيح (¬١٥٩٥): " عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل". يعني: الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإِسلام في الوثاق، والأغلال، والقيود، والأكبال، ثم بعد ذلك يسلمون، وتصلح أعمالهم وسرائرهم، فيكونون من أهل الجنة.
فأما الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (¬١٥٩٦): حدثنا يحيى، عن حميد، عن أنس، أن رسول اللَّه ﷺ، قال لرجل: "أسلِم". قال: إني أجدني كارهًا. قال: "وإن كنت كارهًا".
فإنه [¬٣] ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هنا القبيل فإنه لم يكرهه النبي، ﷺ، على الإِسلام، بل دعاه إليه فأخبره أن نفسه ليست قابلة له، بل هي كارهة، فقال له [¬٤]: "أسلم. وإن كنت كارهًا" فإن اللَّه سيرزقك حسن النية والإِخلاص.
وقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان، من عبادة كل ما يعبد من دون اللَّه، ووحد اللَّه، فعبده وحده، وشهد أنه [¬٥] لا إله إلا هو ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي: فقد ثبت في أمره، واستقام على الطريقة المثلى، والصراط المستقيم.