والجواب: أن ذلك في عالم الدنيا المعرض للفساد، أما الآخرة فالأمر -في تكوين الأجسام فيها- مختلف عنه في الدنيا، فالأجزاء فيها متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض، ولا يعتريها التغير والتحلل.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾: أي لا يترك ضرب مثل. وضربالمثل: استعماله فما ضرب له، أي: فيما ذكر له.
﴿بَعُوضَة﴾: البعوضة واحدد البعوض، وهو ضرب من الذباب معروف، وهو من البعض، آى القطع. يقال: بعضه البعوض، عضه وآذاه. ولا يقال في غير البعوض.
ذكره صاحب اللسان. ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾: أي فالذي فوقها. والمراد بالفوقية: الزيادة في الحجم،
كالذباب والعنكبوت، أو الزيادة في المعنى الذي أريد بالتمثيل، أعني: الحقارة والهوان.
﴿بهذاَ مَثَلًا﴾: أرادوا بكلمة ﴿هَذَا﴾: تحقير ما يشيرون يها إِليه، وهو البعوض والذباب ونحوهما، مما يضرب مثلا. ﴿إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: أي الخارجين عن طاعة الله. والفسق لغة: الخروج، ومنه: فسقت الرطبة عن قشرها، أي خرجت عنه.
واذأ تإملنا سبب النزول الأول، عرفنا الرباط القوى بين الكلام السابق في الآيات الماضية، عن تردد المنافقين وحيرتهم وكفرهم القلبى، وبين هذه الآية والتي تليها، أمَّا ما توسط بين قصة المنافقين الماضية وبين هاتين الآيتين: ﴿إنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِى … ﴾ إلخ … فهو مرتبط بقصتهم، فقد اشتمل على دعوتهم- ومن على شاكلتهم من الكافرين- إلى الإيمان الصادق بربهم، وبيان مقتضيات ربوبيته، كما اشتمل على بيان إعجاز القرآن الذي يدعوهم إلى ذلك، الأمر الذي يشهد بكونه من عند الله، ويستدعي إيمانهم به، كما تضمن الأثر المترتب على الكفر من الخلود في النار، والاثر المترتب على الإيمان من الخلود فى الجنة.
وحقيقة الاستحياء مستحيلة على الة تعالى لأنه: انقباض النفس عن القبح، مخافة الذم ومعناه: وسط بين الجرأة على فعل القبيح من غير مبالاة، وبين الخجل وهو: إبعاد النفس عن الفعل مطلقا، وهذا من صفة الحوادث.
وكل ما ورد من هذا القبيل في الكتاب والسنة، إِنما يراد منه لازمه اللائق بالله تعالى: وهو الترك والامتناع.
ومعنى الآية: أن الله لا يمتنع من أن يضرب الأمثال، كيفما كانت ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي فوقها في الحجم كالذباب والعنكبوت وغيرهما، أو في المعنى، وإِن دق الممثَّل به
وصغر عن البعوض فإن في ضرب المثل ابرازا للمعقول في صورة المشاهد المحس؛ ليساعد
على الفهم.
وقد شاعت الأمثال في الكتب الإلهيه، وعبارات الحكماء والبلغاء لذلك، فيمثل الحقير بالحقير، كما يمثل العظيم بالعظيم. ولا يقدح هذا التمثيل في عظمة من قاله.
والقرآن الكريم. لم ينفرد بذكر أمثال هذه الحشرات. فقد ورد ذكرها في العهد القديم
أكثر من مرة. ومن ذلك ما جاءَ فى سفر يشوع إصحاح ٢٤ الفقرة ١٢ - "وأُرسلت قدامكم
الزنابير وطردتهم من أمامكم"- وتكرر ذلك في سفر الخروج ٢٣ - ١٨ وسفر التثنية ٧ - ٣٠.
ومن كلام العرب: "أَسْمَعُ من قُرادٍ، وأَطيَش من فَراشَةٍ". ولا شك أَن قدرة الله تتجلى في الذرة كما تتجلى في المجرة.
وقد روعى في التعبير بكلمة: بعوضة، المبالغة في الرد على ما نطقوا به في معارضتهم؛ إذ المذكور في تمثيل القرآن. هو الذباب لا البعوض، والبعوض أصغر من الذباب.
ثم بين الله حال المؤمنين والكافرين- إزاء هذا التمثيل- فقال جل شأنه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.
﴿الحَقٌ﴾: الأمر الثابت الذي لا يسوغ إنْكارُهُ، أي: فأَما المؤْمنون، فيعلمون أن المثل هو الأمر الثابت ﴿مِن رَّبِّهِمْ﴾ الذي يضرب الأمثالَ بم ليعينهم على فهم المعافى الصحيحة.
كان الظاهر أن يقال: وأما الذين كفروا فلا يعلمون أنه الحق من ربهمِ، ليطابق
مقابله، وهو قوله سابقا: ﴿فَيَعْلَمُونَ﴾ الخ … ولكن عدل عنه إلى: ﴿فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ لحكاية ما قالوا، وهو مستلزم لجهلهم وعدم علمهم، وذلك أَبلغ؛ لأن قولهم هذا، كالبرهان على كمال جهلهم؛ ففيه نفى العلم مع إثبات دليله.
والإشارة في قولهم: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ لتحقير المشار إليه الذي ضربه الله مثلا، وليس غرضهم بما قالوا الاستفهام عن الحكمة في ضرب الله الأمثال، بنحو العنكبوت والذباب والبغوض، بل غرضهم الأيذان بأَنها -من اللإناءة والحقارة- بحيث لا يليق أن يريد الله شيئًا من التمثيل بها. لهذا يستحيل صدور التمثيل بها عن الله تعالى ﴿ … كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (¬١).
لهذا رد عليهم بقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ أي يضل بهذا المثل كثيرًا من الناس مثلهم، ممن ساء اختيارهم وأظلمت قلوبهم، ويهدى به كثيرًا منهم، ممن حسن اختيارهم واستنارت قلوبهم.
فلا مانع من أَن يضربه مثلا ويريد ما يترتب على ضربه من الآثار، وهو التفكر والاهتداء، لقوله تعالى: ﴿ … وَتِلْكَ الأمثاَلُ نَضْربُهاَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُنم يَتَفَكَّرُون﴾ (¬٢)