إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴿٢٦﴾
Kitab tafsir: Tafsir al-Qurthubi
· Pengarang: القرطبي
وَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فِي شَأْنِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاكُمْ. ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَاخْتَارَهُ الْكِسَائِيُّ. (مُطَهَّرَةٌ) نَعْتٌ لِلْأَزْوَاجِ. وَمُطَهَّرَةٌ فِي اللُّغَةِ أَجْمَعُ مِنْ طَاهِرَةٍ وَأَبْلَغُ، وَمَعْنَى هَذِهِ الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَيْضِ والبصاق وسائر أقذار الآدميات. ذكر عبد الرازق قَالَ أَخْبَرَنِي الثَّوْرِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ:" مُطَهَّرَةٌ" قَالَ: لَا يَبُلْنَ وَلَا يَتَغَوَّطْنَ وَلَا يَلِدْنَ وَلَا يَحِضْنَ وَلَا يُمْنِينَ وَلَا يَبْصُقْنَ. وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذَا كُلِّهِ فِي وَصْفِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَصِفَةِ الْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا مِنْ كِتَابِ التَّذْكِرَةِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. (وَهُمْ فِيها خالِدُونَ) ... " لَهُمْ" مُبْتَدَأٌ." خالِدُونَ" خَبَرُهُ، وَالظَّرْفُ مُلْغًى. وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ نَصْبُ خَالِدِينَ عَلَى الْحَالِ. وَالْخُلُودُ: الْبَقَاءُ وَمِنْهُ جَنَّةُ الْخُلْدِ. وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِيمَا يَطُولُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي الدُّعَاءِ: خَلَّدَ اللَّهُ مُلْكَهُ أَيْ طَوَّلَهُ. قَالَ زُهَيْرٌ:
أَلَا لَا أَرَى عَلَى الْحَوَادِثِ بَاقِيًا ... وَلَا خَالِدًا إِلَّا الْجِبَالَ الرَّوَاسِيَا
وَأَمَّا الَّذِي فِي الْآيَةِ فهو أبدي حقيقة.
[سورة البقرة (٢): آية ٢٦]
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ: لَمَّا ضَرَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَذَيْنَ الْمَثَلَيْنِ لِلْمُنَافِقِينَ: يَعْنِي" مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً" [البقرة: ١٧] وقوله:" أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ" [البقرة: ١٩] قَالُوا: اللَّهُ أَجَلُّ وَأَعْلَى مِنْ أَنْ يَضْرِبَ الْأَمْثَالَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ آلِهَةَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ:" وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لَا يَسْتَنْقِذُوهُ «١» مِنْهُ" [الحج: ٧٣] وذكر كيد الآلهة
Juz 1, halaman 241 ›
فَجَعَلَهُ كَبَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ، قَالُوا: أَرَأَيْتَ حَيْثُ ذَكَرَ اللَّهُ الذُّبَابَ وَالْعَنْكَبُوتَ فِيمَا أَنْزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ على محمد، أي شي يَصْنَعُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ الذُّبَابَ وَالْعَنْكَبُوتَ فِي كِتَابِهِ وَضَرَبَ لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ الْمَثَلَ، ضَحِكَتِ الْيَهُودُ وَقَالُوا: مَا يُشْبِهُ هَذَا كَلَامَ اللَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ. وَ" يَسْتَحْيِي" أَصْلُهُ يَسْتَحْيِيُ، عَيْنُهُ وَلَامُهُ حَرْفَا عِلَّةٍ، أُعِلَّتِ اللَّامُ مِنْهُ بِأَنَ اسْتُثْقِلَتِ الضمة على الياء فسكنت. واسم الفاعل في هَذَا: مُسْتَحْيٍ، وَالْجَمْعُ مُسْتَحْيُونَ وَمُسْتَحْيِينَ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ" يَسْتَحِي" بِكَسْرِ الْحَاءِ وَيَاءٍ وَاحِدَةٍ سَاكِنَةٍ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَهِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ وبكر ابن وَائِلٍ، نُقِلَتْ فِيهَا حَرَكَةُ الْيَاءِ الْأُولَى إِلَى الْحَاءِ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلَى الثَّانِيَةِ فَسَكَنَتْ، فَحُذِفَتْ إِحْدَاهُمَا لِلِالْتِقَاءِ، وَاسْمُ الْفَاعِلِ مُسْتَحٍ، وَالْجَمْعُ مُسْتَحُونَ وَمُسْتَحِينَ. قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَوِّلُونَ فِي مَعْنَى" يَسْتَحْيِي" فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقِيلَ: لَا يَخْشَى، وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ، وَفِي التَّنْزِيلِ:" وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ «١» " [الأحزاب: ٣٧] بِمَعْنَى تَسْتَحِي. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَتْرُكُ. وَقِيلَ: لَا يَمْتَنِعُ. وَأَصْلُ الِاسْتِحْيَاءِ الِانْقِبَاضُ عَنِ الشَّيْءِ وَالِامْتِنَاعُ مِنْهُ خَوْفًا مِنْ مُوَاقَعَةِ الْقَبِيحِ، وَهَذَا مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إن اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ. الْمَعْنَى لَا يَأْمُرُ بِالْحَيَاءِ فِيهِ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذِكْرِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى:" أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا" ... " يَضْرِبَ" معناه يبين، و" أن" مَعَ الْفِعْلِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ مِنْ." مَثَلًا" مَنْصُوبٌ بِ يَضْرِبَ ... " بَعُوضَةً" فِي نَصْبِهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ- تَكُونُ" مَا" زَائِدَةً، وَ" بَعُوضَةً" بَدَلًا مِنْ" مَثَلًا". الثَّانِي- تَكُونُ" مَا" نَكِرَةً فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ:" مَثَلًا". وَ" بَعُوضَةً" نَعْتٌ لِمَا، فَوُصِفَتْ" مَا" بِالْجِنْسِ الْمُنَكَّرِ لِإِبْهَامِهَا لِأَنَّهَا بِمَعْنَى قليل، قاله الفراء والزجاج وثعلب.
Juz 1, halaman 242 ›
الثَّالِثُ- نُصِبَتْ عَلَى تَقْدِيرِ إِسْقَاطِ الْجَارِّ، الْمَعْنَى أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَيْنَ بَعُوضَةٍ، فَحُذِفَتْ" بَيْنَ" وَأُعْرِبَتْ بَعُوضَةٌ بِإِعْرَابِهَا، وَالْفَاءُ بِمَعْنَى إِلَى، أَيْ إِلَى مَا فَوْقَهَا. وَهَذَا قَوْلُ الْكِسَائِيِّ وَالْفَرَّاءِ أَيْضًا، وَأَنْشَدَ أَبُو الْعَبَّاسِ:
يَا أَحْسَنَ النَّاسِ مَا قَرْنًا إِلَى قَدَمٍ ... وَلَا حِبَالَ مُحِبٍّ وَاصِلٍ تَصِلُ
أَرَادَ مَا بَيْنَ قَرْنٍ، فَلَمَّا أَسْقَطَ" بَيْنْ" نَصَبَ. الرَّابِعُ- أَنْ يَكُونَ" يَضْرِبَ" بِمَعْنَى يَجْعَلُ، فَتَكُونُ" بَعُوضَةً" الْمَفْعُولَ الثَّانِي. وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ وَرُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ" بَعُوضَةً" بِالرَّفْعِ، وَهِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ. قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ" مَا" اسم بمنزلة الذي، و" بَعُوضَةً" رُفِعَ عَلَى إِضْمَارِ الْمُبْتَدَأِ، التَّقْدِيرُ: لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ الَّذِي هُوَ بَعُوضَةٌ مَثَلًا، فَحُذِفَ الْعَائِدُ عَلَى الْمَوْصُولِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ. وَمِثْلُهُ قِرَاءَةُ بَعْضِهِمْ:" تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ" أَيْ عَلَى الَّذِي هُوَ أَحْسَنُ. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: مَا أَنَا بِالَّذِي قَائِلٌ لَكَ شَيْئًا، أَيْ هُوَ قَائِلٌ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَالْحَذْفُ فِي" مَا" أَقْبَحُ مِنْهُ فِي" الَّذِي"، لِأَنَّ" الَّذِي" إِنَّمَا لَهُ وَجْهٌ وَاحِدٌ وَالِاسْمُ مَعَهُ أَطْوَلُ. وَيُقَالُ: إِنَّ مَعْنَى ضَرَبْتُ لَهُ مَثَلًا، مَثَّلْتُ لَهُ مَثَلًا. وَهَذِهِ الْأَبْنِيَةُ عَلَى ضَرْبٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى مِثَالٍ وَاحِدٍ وَنَوْعٍ وَاحِدٍ وَالضَّرْبُ النَّوْعُ. وَالْبَعُوضَةُ: فَعُولَةٌ مِنْ بَعَضَ إِذَا قَطَعَ اللَّحْمَ، يُقَالُ: بَضَعَ وَبَعَضَ بِمَعْنًى، وَقَدْ بَعَّضْتُهُ تَبْعِيضًا، أَيْ جَزَّأْتُهُ فَتَبَعَّضَ. وَالْبَعُوضُ: الْبَقُّ «١»، الْوَاحِدَةُ بَعُوضَةٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِصِغَرِهَا. قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَما فَوْقَها) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَاءَ بِمَعْنَى إِلَى، وَمَنْ جَعَلَ" مَا" الْأُولَى صِلَةً زَائِدَةً فَ"- مَا" الثَّانِيَةُ عَطْفٌ عَلَيْهَا. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُمَا: مَعْنَى" فَما فَوْقَها"- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- مَا دُونَهَا، أَيْ إِنَّهَا فَوْقَهَا فِي الصِّغَرِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: وَهَذَا كَقَوْلِكَ فِي الْكَلَامِ: أَتَرَاهُ قَصِيرًا؟ فَيَقُولُ الْقَائِلُ: أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ، أَيْ هُوَ أَقْصَرُ مِمَّا تَرَى. وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ: الْمَعْنَى فِي الْكِبَرِ. وَالضَّمِيرُ فِي" أَنَّهُ" عَائِدٌ على المثل أي أن المثل حق.
Juz 1, halaman 243 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.