وعلى هذا فإن النص يفيد: أن مَن دخل القرية قسمان: قسم أطاع ولم يبدل، وقسم عصى وبدل. فبدلًا من أن يدخلوا خاضعين خائفين متواضعين، دخلوا مستكبرين. وبدلًا من أن يستغفروا ويطلبوا حط الذنوب وغفرانها، لم يعترفوا بذنوبهم ولم يستغفروا الله منها، بل قالوا ما يخالف ذلك، استهزاءً بما كلفوا به، فاستحقوا أن ينزل الله عليهم من السماء رجزًا أي عذبا، بسبب فسقهم وفساد سرهم وعلانيتهم.
ويصح أن يكون التبديل وقع منهم جمبعًا، وأن المعنى: فبدلوا- جميعًا- قو لا غير الدى قيل لهم، لظلمهم.
كلمة ﴿إِذِ﴾ تكررت خمس عشرة مرة، والقصص الخاصة ببنى إسرئيل.
وهي في اللغة: لمطق الظرفية في الزمن الماضي.: هي على تقدير: اذكر: والمراد من ذكر الوقت فيها: تذكر ما وقع فيه من النعم والحوادث، لعل ذاك يفيدهم العبرة، ويهيئُ نقوسهم للتوبة والاستجابة لأَمر الله.
ولم يعن القرآن بالترتيب الزمنى فى ذكر قصصهم، لأنه ليس له دخل فى تصحيح عقائدهم وأعمالهم. والذي له دخل في ذلك، هو تذكر النعم التي انعم الله بها عليهم، والعقوبات والحوادث التي حلت بهم في أي زمان، فإِن لهم- في تذكر ذلك- أعظم العبر، التي يجب أن تردهم إلى رشدهم، وتكفهم عن التمادي في طغيانهم.
وقد سبقت هذه الآيه، لبيان حال من أحوال بني إسرائيل في هجرتهم. وكانوا قد أصابهم في التيه عطش شديد، فاسنغاث موسى بربه، وطلب منه أن يسقى قومه حتى لا يموتوا عطشا وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾: أي دعا ربه، أن يهيئ لهم وسائل السقيا والري.
﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾: أجاب الله موسى ﵇ فى طلب السقيا، ودله
على الطريقة التي تحقق رغبتهم، وتكون معجزة له أَمام قومه فقال له: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾، فضرب موسى الحجر ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ بعدد الأسباط: وهم ذرية يعقوب من أولاده الاثنى عشر. والمراد بعصا موسى: العصا التي ضرب بها البحر فانفلق، وكان كل فرق كالطود العظم. وهي معجزته الكبرى. والمراد بالحجر: أَي حجر، كما قال الحسن: ضربه فانفجر منه الماء، وهذا أَبلغ في الإِعجاز وأبين في القدرة.
والمراد من انفجار تلك العيون من الحجر، خروج الماء الغزير- بقوة- من اثنى عشر مكانا، في الحجر الذي ضربه موسى ﵇ بعصاه. ونلك نعمة كبرى، من نعم الله عل بني إسرائيل.
وقد يقال: إن الله قادر على أن يمنحهم الماء بدون ضرب الحجر. بالعصا، فلماذا لم يفعل؟.
والجواب: أن الله تعالى، أراد أن يبين لهم كرامة نبيهم موسى على الله تعالى، ويؤَكد لهم نبوته: بإجراءِ تلك المعجزة على يديه، بمجرد ضربه الحجر بعصاه، حتى يقوى إيمانهم بنبوته، التي يتشككون فيها من آن لآخر.
وقد مرَّ قريبا أنهم قالوا له: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ كما أن فيها تثبيت إيمانهم
باللهِ، لأنه إيمات يتزلزل هن آن لآخر. فقد مرَّ قريبًا: أنهم أشرِبوا في قلوبهم حبَّ عبادة
العجل، مع عظيم آيات الله التي مرت بهم، والتي من شأنها أن تصرفهم عن الكفر به. ومن أقواها:
شقه البحر لهم، وعبورهم إلى سيناء - في طرق يابسة- بين حوائط من ماء.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾: أي قد علم كل ناس من الأسباط، محل شربهم من تلك العيون. فقد خصص لكل سبط منهم عين، حتى لا يحدث خلاف بينهم على الماء، فهم أهل خلاف وشقاق.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ أي قلنا لهم: كلوا المن والسلوى، واشربوا من رزق الله الذي تفضل به، فجمع لكم بين النعمتين المتلازمتين، بحيث تحصلون عليهما في يسر وسهولة، وذلك من أجلّ النعم وأعظمها.
وقوله: ﴿مِنْ رِّزْقِ اللَّهِ﴾: إشارة إلى أن الأكل والشرب نعمة متمحضة من جانب الله تعالى، لا دخل لعملهم في الحصول عليها.
ثم عقب الأمر بالأكل، والشرب بالنهى عن الفساد، فقال: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
فإن من شأن النعمة أن تستحثهم على الطاعة والاستجابة للمنعم سبحانه، في نهيه
لهم عن الإفساد في الأرض، فقد هيأ لهم ما يكفهم عنه.
والعثو: الإفساد. فقوله بعد ذلك: ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكدة، لأن المعنى وأحد لكل من العثو والافساد، ولكن لو نظرنا إلى أصل معنى العثو وهو: مجاوزة الحد مطلقا، فسادا أو غيره، يكون التعبير بلفظ ﴿مُفْسِدِينَ﴾ لتعيين المراد من العثو.