وأما الإشعارُ بأن الإنزال عليهم بظلمهم المذكور فقد حصل من الفاء الدالة على التسبُّب فيما تقدم.
﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ عذابًا في غايةِ الاشتدادِ، خارجًا عن حدِّ المعتاد، فإن النسبة إلى السماء للإشارةِ إلى هذا المعنى، رُوي أنه مات منهم بالطاعون في ساعةٍ واحدةٍ (¬١) أربعةٌ وعشرون ألفًا، وقيل: سبعون ألفًا.
وهاهنا وجهٌ آخرُ وهو أن العذاب ضربان: ضربٌ يحصل بالأسباب (¬٢) الظاهرة فيُظنُّ أنه يمكن دفاعه كالهدم والغرق، وضربٌ يحصل بأسبابٍ غير ظاهرةٍ فلا يُظن أنه يمكن دفاعه كالطاعون والصاعقة، وقد شاع في متعارَف الناس نسبةُ هذا الضرب إلى السماء.
والرِّجز إنما يطلق على العذاب الموجِب للاضطراب، يقال: ارتَجز، إذا ارتَعش.
﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب اعتيادهم بالخروج عن الطاعة.
أن يجعل له ما يشربُه، والإسقاءُ: التعريضُ للماء وجعلُه له ليتناوله (¬١) متى أراد، فهو أخصُّ معنًى من السَّقْي.
وقد دلَّ ذلك على أنهم عطشوا واشتدَّ حاجتُهم إلى الماء، وكان العطش والتضليل (¬٢) في التِّيه، ودخولُ القرية بعدها، ولم يراعَ الترتيب في ذكرها لأن المقصود تعديدُ النعم (¬٣) والتقريعُ على كفرانها نعمةً نعمةً على التفصيل، والتفريقُ أدلُّ على ذلك؛ لأنها لو وردت مرتَّبةً كانت قصةً واحدةً، فيُظنُّ أن المراد ذكرُ نعمةٍ واحدةٍ.
﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ كانت عصاه من آسِ الجنة وله شعبتان تتَّقدان في الظُّلمة، واللام في ﴿الْحَجَرَ﴾ للعهد على ما رُوي أنه كان حجرًا أَهبطه آدم ﵇ من الجنة، فوقع (¬٤) إلى شعيبٍ ﵇، فأعطاه إليه مع العصا.
أو حجرًا طُوريًا حمله معه (¬٥).
أو الحجر الذي فرَّ بثوبه لمَّا وضعه عليه ليغتسل وبرَّأه الله تعالى به عمَّا رمَوه [به] من الأُدْرة (¬٦)، فأشار إليه جبريل ﵇ بحمله.
أو للجنس على ما قيل: لم يأمره أن يضرب حجرًا معيَّنًا، ولكنْ لمَّا قالوا: كيف بنا لو أَفضينا إلى أرضٍ لا حجر بها؟! حمل حجرًا في مِخْلاته، وهذا أظهرُ في الحجة، والأول أنسبُ لتعريف قَرينه.
قال ابن عطيةَ: لا خلاف أنه كان حجرًا منفصِلًا مربَّعًا، تطَّردُ من كل جهةٍ ثلاثةُ عيون إذا ضربه موسى ﵇، وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفَّت العيون (¬١).
وإياك أن تتوهَّم أن هذا من قبيل ما يستنِدُ إلى الطبائع من الخواص؛ كجذب بعض الأحجار الحديدَ، وحلقِ بعضِها الشعرَ؛ لأنَّه لا يتبع الإرادة والحاجة، والحقُّ أن فتح باب أمثالِ هذا التوجيه الباطل في خوارق العادات الصادرةِ عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم سعيٌ في سد طريق دلالة المعجزة على صدق النبوة.
﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ متعلِّق بمحذوف يُفصح عنه الفاءُ الفصيحة، تقديره: فضَرب فانفجرت، ونكتةُ الحذف: الدلالةُ على سرعة الامتثال، وظهورِ الأثر في الحال، وعلى أنَّ المقصود بالأمر أثرُ الضرب لا الضربُ نفسه، والإشارةُ إلى أن ترتُّب الانفجار وإن كان في الظاهر على ضرب موسى ﵇ لكنه في الحقيقة على أمر الله تعالى به وبتعليقه عليه.
والفَجْرُ: الشَّقُّ، ومنه: الفاجر؛ لأنَّه فَسَقَ فشَقَّ عصا المسلمين بخروجه إلى الفِسق.
والعين: الينبوع، وهي مؤنَّثة سماعًا، ونُصب على التمييز.
وجاز اجتماعُ علامتي التأنيث في ﴿اثْنَتَىْ عَشْرَةَ﴾ لأنهما في شيئين.