﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي: سهلًا هينًا ثم، ذكر عدله وفضله في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، أي: يطيع [¬١] الله ورسوله ويستجيب ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَينِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾، أي: في الجنة، فإنهن في منازل رسول الله ﷺ، في أعلى عليين، فوق منازل جميع الخلائق، في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش.
هذه آداب أمر الله بها نساء النبي ﷺ، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك، فقال مخاطبًا لنساء النبي بأنهن إذا اتقين الله كما أمرهن، فإنهن [¬٢] لا يشبههن أحد من النساء، ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة، ثم قال: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾. قال السدي وغيره: يعني بذلك ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال، ولهذا قال: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، أي: دَغَل، ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن زيد: قولًا حسنًا جميلًا معروفًا في الخير، ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها.
وقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، أي: الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة. ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه، كما قال رسول الله ﷺ: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن وهن تَفِلاتٌ" [¬٣]. وفي رواية: "وبيوتهن خير لهن" (¬٦٧).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا حميد بن مسعدة [¬١]، حدثنا أبو رجاء الكلبيّ: روح بن المسيب -ثقة- حدثنا ثابت البناني، عن أنس ﵁ قال: جئن النساء إلى رسول الله ﷺ فقلن: يا رسول الله؛ ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى، فما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: "من قعد -أو كلمة نحوها- منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهد [¬٢] في سبيل الله".
ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا روح بن المسيب وهو رجل من أهل البصرة مشهور.
وقال البزار (¬٦٨) أيضًا: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام، عن قتادة، عن مُوَرِّق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها".
ورواه الترمذي عن بندار عن عمرو بن عاصم به نحوه.
وروى البزار بإسناده المتقدم، وأبو داود أيضًا (¬٦٩)، عن النبي ﷺ قال: "صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها". وهذا إسناد جيد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية.
وقال قتادة: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ يقول: إذا خرجتن من بيوتكن -وكانت لهن مشية وتكسر وتغنج [¬٣]- فنهى اللَّه عن ذلك.
وقال مقاتل بن حيان: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، والتبرج: أنها تلقى [¬١] الخمار على رأسها، ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وذلك التبرج، ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج.
وقال ابن جرير (¬٧٠): حدثني ابن [¬٢] زهير، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا داود -يعني ابن أبي الفرات- حدثنا علي بن أحمر، عن عكرمة عن ابن عباس قال: تلا هذه الآية: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قال: كانت فيما بين نوح وإدريس، فكانت [¬٣] ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحًا وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل صباحًا وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أبي رجلًا من أهل السهل في صورة غلام، فآجر [¬٤] نفسه منه، فكان يخدمه واتخذ إبليس شيئًا مثل الذي يزمر فيه الرعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حوله، فانتابوهم يسمعون إليه، واتخذوا عيدًا يجتمعون إليه في السنة، فيتبرَّجُ [النساء للرجال] [¬٥]- قال: ويتزين [¬٦] الرجال لهن، وإن رجلًا من أهل الجبل هَجَم عليهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء وصباحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهن. فنزلوا معهن وظهرت الفاحشة فيهن، فهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.
وقوله: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ نهاهن أولًا عن الشر ثم أمرهن بالخير، من إقامة الصلاة -وهي: عبادة الله وحده لا شريك له- وإيتاء الزكاة، وهي: الإحسان إلى المخلوقين، ﴿وأطعن الله ورسوله﴾، وهذا من باب عطف العام على الخاص.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ وهذا نص في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت هاهنا. لأنهن سبب نزول هذه [¬٧] الآية، وسبب النزول داخل في قولًا واحدًا إما وحده على قول أو مع غيره على الصحيح.
وروى ابن جرير، عن عكرمة أنه كان ينادي في السوق: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة،