"أحد" في الأصل بمعنى وحٍد، وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستويًا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه. ومعنى قوله: (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ): لستن كجماعةٍ واحدةٍ من جماعات النساء، أى: إذا تقصيت أمة النساء جماعةً جماعة لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة، ومثله قوله ﷿:
قولُه: (تُقُصِّيَت)، أي: استُقصِيَت وتُتبِّعَتُ، والتقصِّي: الاستقصاءُ وهو بلوغُ الأقصى.
قولُه: (أي: إذا تُقُصِّيَت أمةُ النساء جماعةً جماعةً، لم توجَدْ منهن جماعةٌ واحدةٌ تُساويكنَّ في الفضل)، الانتصاف: أراد المطابقةَ بين المتفاضلَيِن، فإنّ نساءَ النبيِّ جماعة، وقد كان مُستغنيًا بحملِ المعنى على الوحدة ويكون أبلغ، أي: ليست واحدةٌ منكنَّ كأحدٍ، أي: كواحدةٍ من آحادِ النساء. ويلزَمُ على ما قال تفضيلُ الجماعةِ على الجماعة، ولا يلزم ذلك في عكسه فتأمله، وجاء التفصيلُ هاهنا كمجيئه في قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، وكقوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، وقد مضت فيه نكته، أي: الأصلُ: أفمَنْ لا يخلقُ كمَنْ يخلق، وليس الأنثى كالذكر، وكذا هاهنا: ليسَت إحداكُنَّ نحو أحدٍ من آحادِ النساء.
وقلت: لا شكّ أن اسمَ ((ليسَ)) ضميرُ الجماعةِ، وقد حُمِلَ عليه ﴿كَأَحَدٍ﴾، وبُيِّن بقوله: ﴿مِّنَ النِّسَاءِ﴾، والتعريفُ فيه للجنس، فوجبَ حَملُ الأحدِ في هذا السياقِ على الجماعة، كما في قولِه تعالى: ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] ولو حُملَ أحدٌ على الواحدِ لزمَ التفصيلُ بحسب الوُحْدان، ويرجع ذلك إلى تفضيلهنَّ عليهن على واحدٍ واحدٍ من النساء، ولا ارتيابَ في بُطلانِه. وأمّا تأويلُه بقولِه: ((ليست واحدةٌ منكنّ)) فخلاف
(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ)] النساء: ١٥٢ [يريد بين جماعةٍ واحدة منهم، تسوية بين جميعهم في أنهم على الحق المبين. (إِنِ اتَّقَيْتُنَّ): إن أردتن التقوى، وإن كنتن متقيات. (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ): فلا تجبن بقولكن خاضعًا، أي:
الظاهر، وأمّا قولُه: ((يلزَمُ تفضيلُ الجماعةِ على الجماعة ولا يلزم ذلك في عكسِه)) فجوابه: أنَّ تفضيل كلِّ واحدٍ واحدٍ منهنَّ يعُلَمُ من دليلٍ آخرَ، إما عقليٌّ أو نَصّ، مثل: ((ونساؤه أمهاتكم)) وغيره.
الراغب: أحدٌ تُستعملُ على ضربَيْن: أحدُهما: في النفي فقط، وهو لاستغراق جنسِ الناطقين ويتناول القليل والكثير على طريق الاجتماع والافتراق، نحو: ما في الدار أحد، أي: واحد ولا اثنان فصاعدًا لا مجتمعَيْن ولا مُفترقَيْن، وهذا المعنى لم يصلُح استعمالُه في الإثبات، لأنَّ نفْيَ المُتضادّين يصحُّ ولا يصحُّ إثباتهما، فلو قيل: في الدارِ أحدٌ لكان فيها إثباتٌ واحدٍ منفردٍ مع إثباتِ ما فوق الواحدِ مُجتمعِين ومُتفرِّقين، وذلك ظاهر الإحالة، ولتناولِه ما فوقَ الواحدِ يصحُّ أن يقال: ما من أحد فاضلين كقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧].
وثانيهما: في الإثبات، وهو على ثلاثةِ أوجه: أحدُها: في الواحدِ المضموم إلى العَشرات نحو أحد عشر. وثانيها: أن يُستعملَ مُضافًا أو مُضافًا إليه، كقوله تعالى ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١] وقولهم: يوم الأحد، أي الأول. وثالثها: أن يستعمل مطلقًا وصفًا وليس ذلك إلا في وصف الله تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وأصله: وَحَد، لكن وَحَد يُسْتعملُ في غيره. قال النابغة:
كأنَّ رحلي وقد زال النهارُ بِنا … بذي الجليل على مستأنسِ وَحِد
قولُه: (﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ إن أرَدتُنَّ التقوى)، قال صاحب ((الفرائد)): حَمَلَ الاتقاَءَ على
لينًا خنثًا مثل كلام المربيات والمومسات (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) أى: ريبة وفجور. وقرئ: بالجزم؛ عطفًا على محل فعل النهى، على أنهن نهين عن الخضوع بالقول، ونهى المريض القلب عن الطمع، كأنه قيل: لا تخضعن فلا يطمع. وعن ابن محيصن: أنه قرأ بكسر الميم، وسبيله ضم الياء مع كسرها وإسناد الفعل إلى ضمير القول؛ أى: فيطمع القول المريب. (وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً): بعيدًا من طمع المريب بجد وخشونة من غير تخنث، أو قولًا حسنًا مع كونه خشنًا.
إرادتِه بطريق المجاز، ومتى أمكن الحقيقة لم يجز الحمل على المجاز، وقد حمله وذكر معه الحقيقة. وقلت: هاهنا تفصيل، وذلك أنّ المخاطَب إما أن يكونُ متقيًا، فيجري الكلام على الحثِّ، كما حكى الله عن مريم تُخاطبُ ﵉: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]. روى البخاريُّ عن أبي وائل قال: علِمَت مريمُ أن التقيَّ ذو نُهْيَة حين قالت: ﴿إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾. هذا الطريق هو الذي سلكَه المصنِّفُ لاقتضاء المقام إياه تهييجًا وإلهابًا، وقد نبّه عليه بقوله: ((وإن كُنتُنَّ مُتَّقيات)) على ((إن)) الشرطية، أو تخاطبُ من لم يتَّصف بصفة التقوى وأرادَ الاتصافَ بها، فحينئذ لابد من تقدير الإرادة، والأول أوجه؛ لأن المخاطباتِ مُتَّقياتٌ، والشرطُ كالتعليل.