الشرح: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى:﴾ نزلت الآية الكريمة في ثابت بن رفاعة، وفي عمّه، وذلك: أنّ رفاعة مات، وترك ابنه ثابتا، وهو صغير، فجاء عمّه إلى النّبيّ ﷺ، وقال له: إن ابن أخي يتيم في حجري: فما يحلّ لي من ماله، حتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله الآية الكريمة: والمعنى:
اختبروهم في عقولهم، وأديانهم، وفي تنمية أموالهم. هذا؛ وقال ابن كيسان: ويقال: أبلاه، وبلاه في الخير، والشرّ، وأنشد قول زهير في ممدوحيه: هرم بن سنان، والحارث بن عوف المرّيّين: [الطويل]
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم... وأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو
فجمع بين اللّغتين. وقيل: الأكثر في الخير: أبليته، وفي الشر: بلوته، وفي الاختبار:
ابتليته، وبلوته، قال النحاس: والابتلاء يكون في الخير، وفي الشرّ، قال تعالى في حقّ اليهود اللّؤماء: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ﴾.
﴿حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ أي: البلوغ، ويكون بالاحتلام، أو ببلوغه خمسة عشر عاما عندنا، وثمانية عشر عاما عند أبي حنيفة، وبلوغ النكاح كناية عن البلوغ؛ لأنّه يصلح للنكاح عنده، وهو حقيقة في العقد مجاز في الوطء على الأصح عند الشّافعي-﵁، والعكس عند غيره.
﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً:﴾ أبصرتم هداية في التّصرفات، وصلاحا في المعاملات، واستقامة في الدّين، والأخلاق، وأنس: أبصر، قال تعالى في سورة (القصص): ﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً﴾ وقال النابغة في معلقته: [البسيط]
كأنّ رحلي، وقد زال النّهار بنا... بذي الجليل على مستأنس وحد
رشد، وكذلك الرّشاد، فادفعوا إليهم أموالهم: أي بدون تأخير عن سن البلوغ. ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ أي: مسرفين مبذرين ومبادرين كبرهم؛ أي: بلوغ السنّ التي يستلمون فيها أموالهم، أو لإسرافكم، ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها، وتقولون: ننفق فيما نشتهي
قبل أن يكبر اليتامى، فينتزعوها من أيدينا. والإسراف في اللغة: الإفراط في كل شيء؛ ومجاوزة الحد فيه، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣١]: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. وقال جرير في مدح بني أميّة: [البسيط]
أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية... ما في عطائهم منّ ولا سرف
«هنيدة» اسم لكل مائة من الإبل، ومن دعاء الصّالحين المصلحين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا﴾ رقم [١٤٧]: من سورة (آل عمران). وقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢٠]: ﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ فيها أكبر رادع، وزاجر من التعدّي على مال اليتيم.
ومن كان غنيّا؛ فليستعفف: أي عن الأكل من مال اليتيم، وإن عمل فيه، وقام بمصالحه، يقال: عف الرّجل عن الشّيء، واستعفّ: إذا أمسك، والاستعفاف عن الشيء: تركه، ومنه قوله تعالى في سورة (النور): ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً،﴾ والعفة: الامتناع عمّا لا يحلّ، ولا يحبّ فعله.
﴿وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ المراد به هنا: بقدر حاجته، وأجر عمله في مال اليتيم، ولفظ: الاستعفاف، والأكل مشعر بأنّ للوليّ حقّا في مال اليتيم، فقد روى أبو داود عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جدّه: أنّ رجلا أتى النبي ﷺ، فقال: إنّي فقير، وليس لي شيء، ولي يتيم. فقال: «كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا مبذّر، ولا متأثّل»؛ أي: مدّخر، وهذا إذا كان العمل في مال اليتيم يصرفه عن معاشه، وما يحتاج إليه. هذا؛ وبين ﴿غَنِيًّا﴾ و ﴿فَقِيراً﴾ طباق، وهو من المحسّنات البديعية، وبين الجملتين مقابلة لطيفة، فتأمّلها.
هذا؛ والفقير أصله في اللغة: الذي انكسر فقار ظهره، ثم أطلق على المعدم الذي لا يجد كفايته من المال؛ لأنه يشبه الّذي أنبتّ ظهره، وعدم الحول، والقوة، وهو أسوأ حالا من المسكين عندنا معاشر الشافعيّة، ويدلّ عليه قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ فسمّاهم الله مساكين مع كونهم يملكون سفينة يتّجرون فيها، وينقلون البضائع من صقع إلى صقع، وكان النبي ﷺ يسأل الله المسكنة، ويتعوّذ به من الفقر، فعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ أحيني مسكينا، وتوفّني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين، وإنّ أشقى الأشياء من اجتمع عليه فقر الدّنيا، وعذاب الآخرة». رواه ابن ماجة، وروى الترمذيّ مثله عن أنس-﵁.
﴿فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي: فإذا سلّمتم إلى اليتامى أموالهم، فأشهدوا عليهم لئلا يجحدوا تسلّمها، فإنه أنفى للتّهمة، وأبعد للخصومة، ووجوب الضمان، والأمر للإرشاد، وليس للوجوب. ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً:﴾ حافظا لأعمال خلقه، ومحاسبهم عليها.
هذا؛ والفعل: «كفى» بمعنى: اكتف، فالباء زائدة في الفاعل عند الجمهور، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومثله مضارعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ وقد يأتي بمعنى:
حسب، وهو بهذه الصيغة، ويكون قاصرا لا يتعدّى بنفسه إلى المفعول به، ولا تزاد الباء في فاعله، كما في قول سحيم بن وثيل الرّياحي-وهو الشاهد رقم [١٦١]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
عميرة ودّع إن تجهّزت غازيا... كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا
وأما إذا كان بمعنى: جزى، وأغنى؛ فيكون متعدّيا لواحد، ولا تزاد الباء في فاعله، كما في قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [١٦٢]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]
قليل منك يكفيني ولكن... قليلك لا يقال له قليل
وإذا كان بمعنى: وقى؛ فإنّه يكون متعدّيا لمفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ رقم [٢٥]: من سورة (الأحزاب).
الإعراب: ﴿وَابْتَلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿الْيَتامى:﴾ مفعول به منصوب، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، لا عمل لها عند الجمهور هنا، والأخفش يعتبرها في مثل هذا جارة ل ﴿إِذا﴾ ووافقه الزجّاج، وابن درستويه على ذلك. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزّمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبنيّ على السّكون في محل نصب. ﴿بَلَغُوا:﴾
فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿النِّكاحَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (إن): حرف شرط جازم. ﴿آنَسْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السّكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله.
﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رُشْداً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَادْفَعُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ادفعوا): فعل أمر، وفاعله. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿أَمْوالَهُمْ:﴾
مفعول به، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها، والجملة الشرطية: (إن ﴿آنَسْتُمْ..﴾.) إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها جواب: ﴿إِذا:﴾ و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف بعد: ﴿حَتّى﴾ لا محلّ له، واعتبره الزّمخشري مثل قول جرير، وهو الشاهد رقم [٢٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
فما زالت القتلى تمجّ دماءها... بدجلة حتّى ماء دجلة أشكل
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَأْكُلُوها:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، وها: مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها،