وقرئ: ﴿قِيَامًا﴾ (¬١) بمعناه كعِوَذٍ بمعنى عِيَاذ.
وقرئ: (قِوَاماً) (¬٢) وهو ما يُقام به.
﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ الظرف متعلِّق بالمعطوفَين كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وإنما قال: ﴿فِيهَا﴾ ولم يقل: منها؛ تنبيهاً على ما قال ﵇: "ابتغوا في أموال اليتامى التجارة لا تأكلُها الزكاةُ" (¬٣) فعلى هذا يكون الرزق والكسوة من الأرباح لا من أصل المال فيأكلَه الإنفاق.
﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: كلاماً يُؤْنسهم ويؤلِّفُ قلوبهم، ومنه عِدَةٌ جميلةٌ وكلُّ ما سكنت إليه النفسُ واستحسنَتْه لحسنه عقلاً أو شرعاً أو عرفاً فهو معروفٌ، وكلُّ ما نَفَرتْ عنه (¬٤) وكرهتْه فهو منكَر.
﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ (¬١): فإن تبينتم منهم رشداً؛ أي: اهتداء إلى مصالحهم.
و قرئ: (أَحَسْتُم) بمعنى: أحسستم (¬٢).
﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ من غير تأخيرٍ عن وقت البلوغ.
وتنكيرُ الرشد معناه: نوعاً من الرشد، وهو الرشد في التصرُّف والتجارة، أو: طرفاً من الرشد حتى لا يُنتظرُ إلى تمامه.
ونظم الآية: (إنْ) الشرطيةُ جواب (إذا) المتضمنةِ معنى الشرط، والجملة غايةُ الابتلاء، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقِهم دفعَ أموالهم إليهم بشرطِ إيناسِ الرُّشد منهم.
ويجوز أن تكون (إذا) لمجرَّد الظرفية ليست متضمِّنةً لمعنى الشرط؛ أي: ابتلُوهم إلى وقت البلوغ.
وفي الآية دلالة على أن لا يُدفع إليهم مالهم قبل البلوغ (¬٣)، وأمَّا عدمُ دفعه إليهم بعد البلوغ قبل الإيناس فلا دلالة عليه: أمَّا منطوقاً فظاهر، وأمَّا مفهوماً فلأنَّ مفهوم قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ عدمُ الدفع على الفور، لا عدمُ الدفع مطلقاً (¬٤).
﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾؛ أي: مجاوزةً عن الحد.
﴿وَبِدَارًا﴾؛ أي: مبادَرةً، وهي المسارعة.
﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾: أن يَبلغوا؛ أي: لا تأكلوا مسرفينَ ومبادرينَ، وهو كقولك: بادرتُ مجيءَ زيد؛ أي: فعلتُ قبل مجيئه، والمعنى: لا تأكلوا (¬١) قبل بلوغهم واستردادِهم ما لهم منكم، وليس هذا قصرَ التحريم على الإسراف وعلى مبادرةِ البلوغ دون غيرهما، بل هو ذكرُ غالبِ الحال؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣].
﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ في تقييد (¬٢) النهي بالإسراف والبِدار إيماءٌ إلى أن للأوصياء حقًّا، فقُسم الأمر بين أن يكون الوصيُّ غنيًّا وبين أن يكون فقيرًا، فاُمر (¬٣) الغنيُّ بالاستعفاف من أكل مال اليتيم إلى ماله، وتركِ الطمع في مال اليتيم، والاقتناعِ بما رزقه الله تعالى من ماله؛ إشفاقًا على اليتيم، وإبقاء على ماله. والفقيرُ بالأكل بالمعروف؛ أي: بأكله قُوتًا مقدَّرًا محتاطًا في تقديره على وجه الأجرة لقيامه عليه بحفظه وتثميره، وعلى اليتيم بتسديده وتدبيره.
وفي الاستعفاف مبالغةٌ، كأنه مأمور بطلب زيادة العفَّة، ولو قال: فليَعْفِفْ، لم يكن فيه ذلك.