﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ غير: بدل مرفوع من ﴿الْقاعِدُونَ﴾ أو وصف لهم؛ لأنهم غير معينين، فجاز أن يوصفوا بغير. وقرئ بالجر على أنه بدل من ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ أو وصف لهم، وقرئ بالنصب على الاستثناء أو الحال من ﴿الْقاعِدِينَ﴾.
﴿وَكُلاًّ وَعَدَ.﴾. كلا: منصوب بوعد، وكذلك الحسنى: منصوب به؛ لأن ﴿وَعَدَ﴾ يتعدى إلى مفعولين، تقول وعدت زيدا خيرا وشرا، وقال تعالى: ﴿النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج ٧٢/ ٢٢].
﴿أَجْراً﴾ إما منصوب بفضّل، أو منصوب على المصدر.
﴿دَرَجاتٍ مِنْهُ﴾ منصوب على البدل من ﴿أَجْراً﴾ وتقديره: أجر درجات، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
﴿دَرَجاتٍ مِنْهُ﴾ منازل بعضها فوق بعض من الكرامة للمجاهدين على القاعدين ﴿غَفُوراً﴾ لأوليائه ﴿رَحِيماً﴾ بأهل طاعته.
سبب النزول:
روى البخاري عن البراء قال: لما نزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النبي ﷺ: ادع فلانا فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف، فقال: اكتب «لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله» وخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله: أنا ضرير فنزلت مكانها:
وروى الترمذي نحوه من حديث ابن عباس وفيه: قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان. هذا بيان سبب إضافة ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
وقال السيوطي: قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ﴾ نزل في جماعة أسلموا ولم يهاجروا، فقتلوا يوم بدر مع الكفار، وكان نزولها في غزوة بدر.
المناسبة:
هذه الآية تبين فضيلة الجهاد وتمييز المجاهدين عن القاعدين، بعد أن عاتب الله المؤمنين على ما صدر منهم من القتل الخطأ لمن نطق بالشهادة.
التفسير والبيان:
لا يتساوى القاعدون من المؤمنين عن الجهاد، كقعود جماعة عن بدر، والمجاهدون بأموالهم وأنفسهم التي يبذلونها في سبيل مرضاة الله بمنع عدوان الطغاة، وإقرار الحق والدفاع عنه، كجهاد الخارجين إلى بدر في مبدأ الإسلام بعد الهجرة.
لكن استثنى ﷾ من التكليف بفريضة الجهاد أصحاب الأعذار
وهم أولو الضرر أي المرض ونحوه من العمى والعرج، فأصبح ذلك مخرجا لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فلا لوم ولا عتاب لهم لتوافر نياتهم الطيبة بالجهاد عند القدرة،
روى البخاري وأحمد وأبو داود أن رسول الله ﷺ قال عند دخوله المدينة بعد غزوة تبوك: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، قالوا: يا رسول الله: وهم بالمدينة؟ قال: نعم وهم بالمدينة، حبسهم العذر».
ثم أخبر الله تعالى عن فضيلة المجاهدين على غير أولي الضرر القاعدين عن الجهاد: وهي أن الله رفع المجاهدين درجة لا يعرف قدرها: في الدنيا بالظفر والنصر والسمعة الحسنة والغنيمة، وفي الآخرة بمنزلة عالية في الجنة، وأجر عظيم أو جزيل.
ووعد الله كلا ممن جاهد وقعد عن الجهاد لعذر أو عجز مع تمني الجهاد: