و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مَغانِمُ:﴾ مبتدأ مؤخّر. ﴿كَثِيرَةٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب للشّرط المقدّر ب «إذا». ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلّقان بمحذوف خبر (كان) تقدّم عليها وعلى اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿كُنْتُمْ﴾. و ﴿قَبْلُ:﴾ مبني على الضم في محلّ جرّ لقطعه من الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿فَمَنَّ:﴾ الفاء: هي الفصيحة لأنّها تفصح عن شرط مقدّر. (تبيّنوا): فعل أمر وفاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب للشرط المقدّر.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى: ﴿اللهِ﴾. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَبِيراً﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جرّ بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالّذي، أو: بشيء تعملونه، وعلى المصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جرّ بالباء، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿خَبِيراً﴾ التقدير: خبيرا بعملكم. ﴿خَبِيراً:﴾ خبر: ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محلّ لها.
الشرح: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ﴾ أي: عن الجهاد في سبيل الله. ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ:﴾ المرض، أو العاهة من عمى، أو عرج، أو زمانة، ونحوها. ﴿وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ..﴾. إلخ أي: لا يكونوا في منزلة واحدة عند الله، وعند رسوله. هذا؛ والفعل «يستوي» من الأفعال التي لا تكتفي بواحد، فلو قلت: استوى زيد؛ لم يصحّ، فمن هنا لزم العطف على الفاعل. أو تعدّده، فقد نفى الله التّساوي بين المجاهد، والقاعد بغير عذر-وإن كان معلوما عند كلّ إنسان-توبيخا للقاعد عن الجهاد، وتحريكا له عليه؛ ليرغّب فيه رفعا لرتبته، وأنفة عن انحطاط منزلته، ونحوه قوله تعالى في سورة (الزّمر): ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فهو تحريك لطلب العلم، وتوبيخ على الرّضا بالجهل.
﴿وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ:﴾ قدّم الله في هذه الآية وغيرها الجهاد بالمال على النّفس؛ لأنّ المال شقيق الرّوح، وقد يبذل الإنسان روحه، وحياته في سبيل المال، وقد يهدر
كرامته، وشرفه، ومروءته في سبيله، وكثير من النّاس يسبب لهم المال العذاب الأليم في نار الجحيم، وذلك حينما لم يراقبوا الله تعالى في جمعه، وإنفاقه.
﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ يعني: فضيلة، وكرامة في الآخرة. قال ابن عباس-﵄: أراد بالقاعدين هنا: أولي الضرر، وفضّل الله المجاهدين عليهم درجة؛ لأنّ المجاهد باشر الجهاد بنفسه، وما أدراكم ما الدّرجة؟ هي كما بين السّماء، والأرض. وانظر الحديث في الآية رقم [٨٤]، وخذ ما يلي: روى أبو هريرة-﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إنّ في الجنّة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدّرجتين، كما بين السّماء والأرض». أخرجه البخاريّ.
﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ أي: كلاّ من المجاهدين، والقاعدين وعده الله الجنة بإيمانه بربّه، وتصديقه بنبيّه ﷺ. ﴿وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً:﴾ المراد ب: ﴿الْقاعِدِينَ:﴾ الذين لا عذر لهم، ونكر ﴿أَجْراً﴾ لزيادة التعظيم، والتفخيم بمعنى: لا يعلمه إلا الله، ولا تنس الطّباق بين ﴿الْمُجاهِدِينَ﴾ و ﴿الْقاعِدِينَ﴾ وهو من المحسّنات البديعية.
هذا؛ و «المال» قال فيه ابن الأثير: المال في الأصل: كل ما يملك من الذهب، والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى، ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق عند العرب على الإبل؛ لأنّها كانت أكثر أموالهم، وقال الجوهري: ذكر بعضهم: أنّ المال يؤنّث، وأنشد لحسان-﵁: [البسيط]
المال تزري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال
وعن الفضل الضّبّي: المال عند العرب الصّامت، والنّاطق، فالصّامت: الذهب، والفضّة، والجواهر، والناطق: البعير، والبقرة، والشاة، فإذا قلت عن بدويّ: كثر ماله؛ فهو الناطق. وإذا قلت عن حضريّ: كثر ماله؛ فهو الصامت. هذا؛ والنّشب يطلق على المال الثابت، كالضّياع، والدور، قال عمرو بن معدي كرب الزّبيدي-﵁-في ذلك، وهو الشّاهد رقم [٥٩٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٤٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [البسيط]
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
هذا؛ وقال الرسول ﷺ: «من تواضع لغنيّ لغناه؛ فقد ذهب ثلثا دينه». وإنّما كان كذلك؛ لأنّ الإيمان متعلّق بثلاثة أشياء: المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، فإذا تواضع بلسانه، وأعضائه، فقد ذهب الثّلثان، فإذا انضمّ إليها القلب فقد ذهب الكلّ.
و «غير» اسم شديد في الإبهام ك «مثل» لا يتعرّف بالإضافة لمعرفة، وغيرها، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها، إن فهم المعنى، أو تقدّمت عليها كلمة «ليس». يقال: قبضت
عشرة ليس غير. وهو مبنيّ على الضم، أو على الفتح خلاف. وإن أردت الزيادة؛ فانظر بحثها في كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.
أمّا «أولي» فهو بمعنى أصحاب، لا واحد له من لفظه، وإنّما واحده «ذي» المضاف إن كان مجرورا، و «ذا» المضاف إن كان منصوبا، و «ذو» المضاف إن كان مرفوعا.
وأمّا «الحسنى» فهي مؤنث: الأحسن الذي هو أفعل تفضيل، لا مؤنث: أحسن؛ المقابل لامرأة حسناء، والحسنى ضد السّوأى.
خاتمة: اعلم: أنّ الجهاد ينقسم إلى: فرض عين، وفرض كفاية، ففرض العين: أن يدخل العدو دار قوم من المؤمنين، وبلادهم فيجب على كلّ مكلّف من الرّجال ممّن لا عذر له، ولا ضرر به من أهل تلك البلدة الخروج إلى عدوّهم دفعا عن أنفسهم، وعن أهليهم، وجيرانهم، سواء في ذلك الغني، والفقير، فيجب على الكافة، وهو في حقّ من بعد عنهم من المسلمين فرض كفاية، فإن لم تقع الكفاية بمن نزل بهم العدو، فتجب مساعدتهم على من قرب منهم من المسلمين، أو بعد عنهم. انتهى. خازن.
هذا؛ وأمّا أهل الضّرر الذين ذكرهم الله في هذه الآية؛ فلهم أجرهم إن كانت نيّتهم الجهاد لولا الأعذار التي منعتهم من الخروج إلى الجهاد. فعن أنس بن مالك-﵁، قال:
رجعنا من غزوة تبوك مع النبي ﷺ فقال: «إنّ أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا، ولا واديا، إلاّ وهم معنا، حبسهم العذر». رواه البخاري.
وعن أبي الدّرداء يبلغ به النبي ﷺ قال: «من أتى فراشه؛ وهو ينوي أن يقوم يصلّي من اللّيل، فغلبته عيناه حتّى أصبح؛ كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربّه». رواه النّسائيّ، وابن ماجة. وعن أبي موسى-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مرض العبد، أو سافر؛ كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا». رواه البخاريّ، وأبو داود. ورحم الله من يقول: [البسيط]
يا راحلين إلى البيت العتيق لقد... سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا
إنّا أقمنا على عذر وعن قدر... ومن أقام على عذر فقد راحا
الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَوِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الْقاعِدُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من:
﴿الْقاعِدُونَ﴾ أو من الضمير المستتر فيه، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿غَيْرُ:﴾ بالرّفع صفة: ﴿الْقاعِدُونَ﴾ أو بدل