٢٠٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ المقربون منه، وقيل هم الملائكة ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ مقرّون له بالعبودية بكل ما في معناها، لا يستكبرون عن عبادته على نقيض الكفار والمشركين، لأنّ الاستكبار يصرف عن الآيات ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ تنزيها لله تعالى عمّا لا يليق به ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ يسجدون له وحده، لا يدعون غيره، وفي ذلك عودة لموضوع الآيات (١٣ و ٣٦ و ٤٠ و ٤٨ و ٧٥ و ٧٦ و ٨٨ و ١٤٦).
نزلت سورة الأنفال في السنة الثانية من الهجرة بعد وقعة بدر، روي عن ابن عباس قوله إنها نزلت في بدر، وفي لفظ: تلك سورة بدر، فقد اشتملت على تحليل كامل لأول مواجهة عسكرية حاسمة بين قوى الإسلام وقوى الكفر، كما وضعت أسس الجهاد الإسلامي التي بموجبها انتشرت دولة المسلمين ودعوتهم - خلال أقل من قرن من الزمن - من أقصى العالم القديم في الصين، إلى أقصاه في الأندلس.
الخلفية التاريخية
خلال شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة وصل إلى علم المسلمين في المدينة أن القافلة التجارية الكبرى التي سبق أن توجهت إلى الشام بقيادة أبي سفيان سوف تبدأ رحلة العودة، وأنها بالتالي سوف تمر بمنطقة المدينة خلال أسابيع، وبالنظر لحالة الحرب التي كانت قائمة بين قريش وبين المسلمين، فقد أخبر النبي ﷺ أتباعه أنه ينوي مهاجمة القافلة لدى اقترابها من منطقة المدينة، ومن ثمّ تسربت إشاعات هذه الخطة فوصلت أبا سفيان، وهو لم يزل في الشام، فاستفاد من ذلك بأن بعث مراسلا سريعا إلى مكة يطلب النجدة من قريش، إذ كانت قافلته المكونة من حوالي ألف جمل محملة بأنفس البضائع لا يرافقها سوى حراسة خفيفة من حوالي أربعين رجلا، فلمّا أحيطت قريش بالخبر حشدت جيشا كبيرا قاده أبو جهل، ألد أعداء النبي ﷺ وانطلق بالجيش شمالا يريد حماية القافلة من جهة، ومن جهة ثانية يريد ضرب مسلمي المدينة ضربة قاصمة بزعمه، ومن جهة ثالثة يرهب قبائل العرب بخروجه بهذا الجيش ويظهر أمامها هيبة قريش
وبأسها، وكان أبو سفيان في هذه الأثناء قد أخذ جانب الحيطة فاتخذ مسارا لقافلته عائدا بحذاء ساحل البحر، على أبعد مسافة ممكنة من المدينة.
ولما كانت عادة النبي ﷺ في جميع غزواته وسراياه كتمان خططه المسبقة حتى ساعة التنفيذ، وحتى بعد الخروج بأصحابه من المدينة، وأنه كان أحيانا يخرج بأصحابه من المدينة في اتجاه مغاير لهدفه الحقيقي إمعانا في تضليل الجواسيس من الكفار والمنافقين، فإن إعلانه العزم على مهاجمة القافلة، وهي لم تزل في الشام، وقبل عدة أسابيع من اقترابها المدينة، ممّا يدل أن كلام الهجوم على القافلة لم يكن سوى تغطية، وأن الهدف الحقيقي من بث الخبر كان استدراج قريش إلى مواجهة عسكرية حاسمة تنهي حالة الخوف والترقب التي كان يعيشها المجتمع الإسلامي في المدينة.
كان المسلمون بعد الهجرة يشعرون بتهديد قريش المستمر لهم ويخشون من احتمال اجتياحها المدينة بمساعدة بعض قبائل العرب، وكانت قريش تبعث الحملات للإغارة على المسلمين من وقت لآخر، ومن ضمن ذلك غارة المشركين بقيادة كرز بن جابر الفهري التي وصل بها أطراف المدينة وسلب بنتيجتها من مواشي المسلمين ومتاعهم، ومن جهة أخرى كانت قريش تحرض القبائل المتحالفة مع النبي ﷺ على النكوص ونقض العهود، فلم يكن بوسع النبي ﷺ أن يتخذ موقفا سلبيا، ولا أن يقف موقف المستضعف تجاه هذا الوضع القلق، وكان يرد على تحدي قريش بتهديد قوافلها التجارية والتعرض لها، ليس بغرض السلب أو النهب ولا بغرض إهراق الدماء، وإنما لإنذار قريش أنه بإمكان المسلمين إلحاق الضرر بتجارتها واقتصادها، وكان يخشى لو اتخذ موقفا سلبيا أن يتعاظم أمر قريش بتكتل القبائل معها، وتأليب القبائل المتحالفة معه، فأراد أخذ زمام المبادرة بين يديه.