﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ قيل: هو نهيٌ عن السَّلْبِ وقطع الطريق؛ وكان ذلك من فِعْلِهم.
وقيل: كانوا يقعدون على الطريق؛ يردُّون الناس عن اتباع شعيب ويُوعدونهم إن اتَّبعوه.
﴿وَتَصُدُّونَ﴾ أي: تمنعون الناس من (¬١) سبيل الله؛ وهو الإيمان.
والضمير في ﴿بِهِ﴾: للصِّراط، أو لله.
﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ ذُكِر في «آل عمران» (¬٢).
﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ أي: ليكونَنَّ أحدُ الأمرين: إما إخراجُكم، أو عَوْدُكم إلى ملة الكفر.
فإن قيل: إن العَوْد إلى الشيء يقتضي أنه قد كان فُعِل قبل ذلك؛ فيقتضي قولهم: ﴿لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ أن شعيبًا ومن كان معه كانوا أولًا على ملة قومهم، ثم خرجوا منها فطلب قومُهم أن يعودوا إليها، وذلك محالٌ؛ فإن الأنبياء معصومون من الكفر قبل النبوة وبعدها!.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: قاله ابن عطية؛ وهو أنَّ «عاد» قد تكون بمعنى: صار؛
والثاني: قاله الزمخشري؛ وهو أن المراد بذلك: الذين آمنوا بشعيب دون شعيب، وإنما أدخلوه في الخطاب معهم بذلك؛ كما أدخلوه في الخطاب معهم في قولهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾؛ فغلَّبوا في الخطاب بالعَوْد الجماعةَ على الواحد (¬٢).
وبمثل ذلك يُجاب عن قوله: ﴿إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾، و ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾.
﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ أي: إن عدنا فيها فقد وقعنا في أمرٍ عظيم من الافتراء على الله، وذلك تبرُّؤٌ من العود فيها.
﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ هذا استسلامٌ لقضاء الله على وجه التأدُّب مع الله وإسنادِ الأمور إليه؛ وذلك أنه لما تبرَّأ من ملتهم: أخبر أن الله يحكم عليهم بما يشاء من عَوْدٍ وتَرْكِه؛ فإن القلوب بيده يقلِّبها كيف يشاء.
فإن قلت: إنَّ ذلك يصحُّ في حق قومه، وأما في حق نفسه فلا؛ فإنه معصوم من الكفر؟.